حصــــار الأمــــل 2
بقلم: محمد أحمد الراشد
عظمة المشهود : دليل الغيب
و ذاك من كمال عقيدة الإسلام وتمام فن المؤمنين بها في الدعوة إليها ، أنها و أنهم في حرص على أن يسلك المتحيَّر أو المتردد الطريق الأدنى إلى الإيمان .
والمثـل في ذلك كمثـل الذي استغـلقـت عليه الغيوب التي أخبر بها الأنبياء عليهم السلام ، من البعث والحساب ، والجنان والنيران ، فتمر به على سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، تريه إعجاز ما بين صدعه بالتوحيد فريداً مكذّبا ، وبين صدع المؤذنين بالتكبير قبل نهاية سيرة الراشدين من خلفائه على كل روابي أرضين المدنيات ، فتجعل رؤية إعجاز السيرة باب تصديق يدلف منه إلى ما يكاد أن يكون رؤية لذلك الغيب ، و تكون قد جعلت الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم سبباً للإيمان بالله ، ولا نعلم فقيهاً يمنع ذلك ، غير الباقلاني ، فإنه يوجب الإيمان بالله تعالى قبل الإيمان برسله صلى الله عليه وسلم ، وليس لمنعه وجه ظاهـر .
هذا بَلْهَ عن امتلاء القرآن بنداءات بسيطة و دعوة إلى تفكّر في خلق السماء و الأرض يقود إلى الإيمان بالله .
وكل ذلك من وجوه كمال عقيدة الإسلام ، بما نّوعت خطابها لأنصاف العقول و مقادير النباهة ، فمن أشكل عليه التعليل : أدخَلَتْه من باب ما يمكن حِسه ، وعوّضت عن التعليل بتكرار التذكير .
و الواقعية التي نريد أن نستـفيد منها اليوم ليست إلا التي وفرتها عقيدتـنا منذ أبعد الأمس ، حين أطنبت في التذكير بالموت ، و أنذر كِتابُها سكرةً لا بد أن تميد لها كل نفس مهما كانت عنها تحيد .
و لهذا وجب على خطة الحركة الإسلامية التربوية أن تعتمد التذكير بالموت ضمن أسسها ، و تأخذ بيد كل داعية ليلمس لمساً قريباً حقيقـته وتـفاهة الحياة ، فينطلق من بعدُ انطلاقته في البذل ، و يتخلص من ثِـقـلة إلى الأرض تحاول الأموال أن تُركس كل متـزين بها إليها .
لوحة من الفن الإسلامي
و لئن جمع قادة الحروب جنودهم قبل كل معركة ، و حـلـّقـوا بهم حلقة ، ليرسموا لهم على الأرض خطة تعبئة لحصار عدوهم ، فإن على قادة الحركة الإسلامية أن يرسموا قبل ذلك لحلقات الدعاة إلى الله خطة حصار الأجل للأماني الكواذب ، يذكرونهم إياه ، كما رسمه النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم لأصحابه على أرض المدينة ، ففتحت لهم – لما وعوا خطوطه – المدن .
و كان فيهم يومها : عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فوصف فقال : ( خط النبي صلى الله عليه وسلم خطاً مربعاً ، وخط خطاً في الوسط خارجاً منه ، و خط خططاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط ، من جانبه الذي في الوسط ، وقال : هذا الإنسان ، وهذا أجله محيط به – أو : قد أحاط به – وهذا الذي هو خارج : أمله ، وهذه الخطط الصغار : الأعراض ، فإن أخطأه هذا : نهشه هذا ، و إن أخطأه هذا : نهشه هذا )
وكان فيهم أيضاً : أنس بن مالك رضي الله عنه ، فوصف ، فقال : ( خطَّ النبي صلى الله عليه وسلم خطوطاً ، فقال : هذا الأمل ، وهذا أجله ، فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقـرب )
وفي رواية : مثل ابن آدم جنبه تسع وتسعون مَنِيَّة ، إن أخطأته : وقع في الهَرَم .
و اكتملت بهذه الخطوط الشريفة لوحة من الفـن الرمزي التجريدي فريدة .
إنه الإنسان الضعيف تغزوه الأعراض غزواً فيه إلحاح . عدوى ، أو سرطان ، أو حريق ، أو غرق ، أو زلق ، أو سقوط ، أو اصطدام ، أو لدغة ، أو تسمم بطعام ، أو طلقة تائهة .
حصــــار الأمــــل 2
فإذا نجا من كل ذلك : كان له في الهرم ، و ضغـط الدم وارتـفاع نسبة السكر : تأديب أي تأديب .
فإن أطال النـَفـَس : اقتص منه الموت .. { قل إن الموت الذي تـفرون منه فإنه ملاقيكم }.. تعددت الأسباب والموت واحد .. حيث يحاصر الأمل الشارد .. الذي يتوهم الإفلات حصاراً شديداً .
أمل أبيض وضّاء .. كلما برق : زهت في نظر صاحبه الأموال ، و الحِسان .. أيضا و العطور ، و القـصور .. و المناصب ، و الشهادات .. فينسى مع نظره المنسرح المسترسل متطلبات دعوتـه .. كذلك و يصد عينه عن أرض مقدسة يـفسد فيها يهود .. ولا يعود أنفه يشم رائحة شواء دعاة الإسلام في الصومال .. أيضا ولا نتن جثث الأتراك.. تحت حائط في قرية قبرصية .. كما وتتـناسى أذنه وقع أحذية عساكر الهنادك في البنغال ..!
لكنه لو نظر ببصيرته .. ايضا لعرف أن أمله الوضاء.. إنما يـلـفه محيط أسود حالك .. حيث يتيه فيما دونه من الظلمات.. ما لم يتبع في مشيه مخرجاً .. كذلك تدل عليه التـقوى .