حصــــار الأمــــل 2

حصــــار الأمــــل

بقلم: محمد أحمد الراشد

هذه الحياة ، بجوانبها العديدة ، و تبدلات المجتمعات التي تحياها ، قد لايفهمها جيل المسلمين اليوم من دون الرجوع إلى نظرة واقعية لها ، متسمة بالبساطة ، مستقرئة للمحسوس المشاهَد منها .

ولا ريب في أن تجاوز مجرد الاستـقراء ، وفهم الأمور معلَّلة مسبَّبة ، هو الوضع الأمثل ، المؤدي إلى الإيمان الأتم الأوفر ، وهو لما يظن أنه من ظواهر التـناقض أوجب ، و لذلك جاءت عقيدة الإسلام تحلل وتعلـل ، ليحيا مَن حَيَّ عن بينة . ولذلك أيضاً حاولت الفلسفات أن تـفهم محركات الحياة ، فقاربت كاقتراب سقراط من عقيدة التوحيد ، أو أبعدت ، كبعد جمهور المحاولين .

و بتـفسيرات مَن شَرَحَ الكمال العقدي الإسلامي ، أو من خلال محاوارات الفلاسفة في محاولاتهم الوصول إلى المثالية اتسع القول في القدر ، والجبر والاختيار ، وسر تردد النفس بين التـقوى و الفجور ، و حكمة خلق الشيطان و القائه للنفوس حتى لتختار الضرر الواضح و تأتي بما لا يأتلف مع الفطرة ، و غَلَبَة أهل الشر أحياناً مع كثرة إفسادهم وإرهاقهم للناس ، وكثرة محن أهل الخير وصدود الناس عنهم مع عظيم بذلهم ونفعهم للناس ، و أمثال هذا . و لكن حياة اليوم اكتـنفها التعقيد المادي من كل أركانها ، وتركت كثيراً من المسلمين – كشأن أغلب الناس – في زحمة من المتطلبات والحوائج تسلبهم التـفرغ لتأمل ساكن يحللون فيه و يعلـلون .

حصــــار الأمــــل

و لذلك لم يعد هذا النظر التحليلي بممكن للجميع ، فضلاً عن أن يكون مفهوماً للجميع ، مع أن المسلم مطالب و مكلف – في الوقت نفسه – بأداء الواجب المفروض عليه في التأثير الخَّير في الحياة ، بالأمر بالمعروف ، و الدعوة إليه ، والنهي عن المنكر ، ملزم به إلزاماً ، مضيّق عليه في الاعتذار إزاءه .

ومن هنا تـفرض سرعة صراعنا الحاضر مع أشكال الكفر الجديدة أن نلجأ ، بسرعة توازيها ، إلى بساطة النظرات الواقعية ، لإسعاف المسلم القائم على ثغور هذا الصراع بقناعة و شجاعة تدعانه يلج دروب البذل التي تـفرضها واجبا ت رقابته على العالمين ، أمماً و أفراداً ، وأمره ونهيه ، مقوماً لهم ومُعدلاً .

ولن تجد الحركة الإسلامية ثنية بعيدة عن البدعة تطل بدعاتها من فوقها على منظر بسيط لحقيقة الحياة ، شامل في رؤيته ، كما تكون إطلالتها على حقيقة الموت . هذه الحقيقة المستغنية عن الدليل والتحليل ، والتي تؤذن فيهم وفي الناس كل صباح ومساء .

عظمة المشهود : دليل الغيب

و ذاك من كمال عقيدة الإسلام وتمام فن المؤمنين بها في الدعوة إليها ، أنها و أنهم في حرص على أن يسلك المتحيَّر أو المتردد الطريق الأدنى إلى الإيمان .

كذلك والمثـل في ذلك..  كمثـل الذي استغـلقـت عليه الغيوب..  التي أخبر بها الأنبياء عليهم السلام .. أيضا من البعث والحساب ، والجنان والنيران ..  فتمر به على سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم .. حيث تريه إعجاز ما بين صدعه بالتوحيد فريداً مكذّبا .. كذلك وبين صدع المؤذنين بالتكبير.. أيضا قبل نهاية سيرة الراشدين..  من خلفائه على كل روابي أرضين المدنيات ..  فتجعل رؤية إعجاز السيرة.. كذلك باب تصديق يدلف منه..  إلى ما يكاد أن يكون رؤية لذلك الغيب .. كما تكون قد جعلت الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم .. سبباً للإيمان بالله .. أيضا ولا نعلم فقيهاً يمنع ذلك ..  غير الباقلاني ..  فإنه يوجب الإيمان بالله تعالى .. كذلك قبل الإيمان برسله صلى الله عليه وسلم ..  وليس لمنعه وجه ظاهـر .