الخضر عليه السلام من الأنبياء

الإيمان يلد الأمل

د. يوسف القرضاوي

الإيمان والأمل متلازمان..  فالمؤمن أوسع الناس أملاً.. كذلك وأكثرهم تفاؤلاً واستبشاراً.. أيضا وأبعدهم عن التشاؤم والتبرم والضجر..  إذ الإيمان معناه الاعتقاد بقوة عليا.. كذلك تدبر هذا الكون لا يخفى عليها شيء..  ولا تعجز عن شيء، الاعتقاد بقوة غير محصورة.. كذلك ورحمة غير متناهية، وكرم غير محدود، الاعتقاد بإله قدير رحيم..  يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء..  يمنح الجزيل، ويغفر الذنوب..  ويقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات..  إله هو أرحم بعباده من الوالدة بولدها.. كذلك وأبر بخلقه من أنفسهم.

إله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل.

إله يفرح بتوبة عبده أشد من فرحة الضال إذا وجد، والغائب إذا وفد، والظمآن إذا ورد.

كما وأنه إله يجزي الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف أو يزيد، ويجزي السيئة بمثلها أو يعفو.

إله يدعو المعرض عنه من قريب، ويتلقى المقبل عليه من بعيد، ويقول: “أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلى شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً وإن أتاني يمشي أتيته هرولة”..  (حديث قدسي رواه البخاري وغيره).

إله يداول الأيام بين الناس. فيبدل من بعد الخوف أمناً، ومن بعد الضعف قوة، ويجعل من كل ضيق فرجاً..  ومن كل هم مخرجاً..  ومع كل عسر يسراً.

الإيمان يلد الأمل

المؤمن الذي يعتصم بهذا الإله البر الرحيم، العزيز الكريم، الغفور الودود، ذي العرش المجيد، الفعال لما يريد – يعيش على أمل لا حد له، ورجاء لا تنفصم عراه. إنه دائماً متفائل، ينظر إلى الحياة بوجه ضاحك، ويستقبل أحداثها بثغر باسم، لا بوجه عبوس قمطرير.

فهو إذا حارب كان واثقاً بالنصر؛ لأنه مع الله فالله معه؛ ولأنه لله فالله له {إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} (الصافات:172-173).

وإذا مرض لم ينقطع أمله في العافية {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هوَ يطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} (الشعراء:78-80).

وإذا اقترف ذنباً لم ييأس من المغفرة، ومهما يكن ذنبه عظيماً فإن عفو الله أعظم {قلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر:53).

وهو إذا أعسر لم يزل يؤمل في اليسر {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يسْرًا} (الشرح:5-6)، ولن يغلب عسر يسرين أبداً.. حيث قال ابن مسعود:..  لو دخل العسر جحراً لتبعه اليسر.

أيضا وهو إذا انتابته كارثة من كوارث الزمن كان على رجاء من الله أن يأجره في مصيبته ويخلفه خيراً منها {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (البقرة:156-157).

وهو إذا عادى أو كره، كان قريباً إلى الصلة والسلام، راجياً في الصفاء والوئام، مؤمناً بأن الله يحول القلوب {عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (الممتحنة:7).

الباطل إلي زوال

كذلك وهو إذا رأى الباطل يقوم في غفلة الحق أيقن أن الباطل إلى زوال، وأن الحق إلى ظهور وانتصار {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} (الأنبياء:18)، {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} (الرعد:17).

وهو إذا أدركته الشيخوخة، واشتعل رأسه شيباً؛ لم ينفك يرجو حياة أخرى فيها شباب بلا هرم، وحياة بلا موت، وسعادة بلا شقاء {جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلاَّ سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} (مريم:61-62).

إن الماديين يقفون عند السنن المعتادة، والأسباب الظاهرة، لا يطمعون في شيء وراءها، أما المؤمنون فيعلون على ظواهر الأسباب، وينفذون إلى سر الوجود، إلى الله خالق الأسباب والمسببات، الذي عنده من الأسباب الباطنة ما يخفى على إدراك عباده، فلماذا لا تتجه قلوبهم إليه حين تدلهم الأزمات، وتستحكم الحلقات، ويضيق على أعناقهم الخناق؟!

إنهم يجدون فيه الملاذ في الشدة.. أيضا والأنيس في الوحدةكذلك والنصير في القلة.. حيث يتجه إليه المريض الذي استعصى مرضه على الأطباء.. كما ويدعوه آملاً الشفاء.