الخصومة بين المظلومين والظالمين
د سيد نوح
أن الله وعدهم في الآخرة الأمن من الفزع، والظفر بمقاعد الصدق في الجنة، فقال:﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا همْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)﴾ (يونس) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مقْتَدِرٍ (55)﴾ (القمر).
إذا كان هذا حال نفر من أبناء الأمة عرف عنه الصلاح، والاستقامة والوطنية، والصبر والعمل والعفو والإحسان.. حيث يكون جزاؤه على هذا اعتقاله من بيته وسط أهله وأولاده.. أو من الشارع أو من الحرم الجامعي.. كذلك ويصادر ماله وتجاراته.. كما وتغلق شركاته وتعطل أعماله.. ويحرم الطالب من دروسه ومواصلة دراسته .. ويحرم الموظف من وظيفته، وعطائه للأمة.. كذلك والزج بهم في غياهب المعتقلات والسجون.. كما وتتم إهانتهم وتعذيبهم ومعاملتهم معاملة بهيمية.. أيضا ليس فيها شيء من معاني الإنسانية.
أهكذا جزاء الصالح الوطني المستقيم الذي يبذل ما يبذل دون جزاء أو شكور من أحد إلا من الرب الودود، الكريم الرءوف الرحيم؟.
إن هذا الصنف من الناس كان ينبغي وضع أكاليل الزهور على رأسه والنظر إليه باحترامٍ وتقديرٍ، وشكره على هذه اللفتة الحضارية بدل التأويلات والتفسيرات التي مبعثها الظنون الأوهام والأهواء، لا الحقيقة ومناقشتهم بروية وحكمة وصولًا إلى الصواب.
أما الأسلوب الجاف الخشن الذي استخدمه هؤلاء فإنه لا يأتي بخير أبدًا، ولولا أن هؤلاء إخوان مسلمون ملتزمون بلوائح ونظم الجماعة التي أساسها ومحورها: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ……..﴾ (النحل: 125) لكان منهم العنيف، والحاقد والميال إلى الانتقام والثأر ولكنهم لن يكونوا كذلك التزامًا بمبادئ الشرع الحنيف الذي يعلمهم “أن كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم…” الحديث (رواه مسلم).
الخصومة بين المظلومين والظالمين
هذا من جهة، واحترامًا لنظام الجماعة التي ينتمون إليها، وحفاظًا على وحدة الوطن وقدسيته وكرامته من ناحية أخرى، وإذا حسبت الدولة أو النظام أن ما فعلته معهم سيخيفهم ويحملهم على ترك جماعتهم والتبرؤ منها، أو التقهقر للوراء عن غاياتهم ومبادئهم، فهم واهمون؛ لأن هؤلاء أصحاب عقيدة، ولن تصرفهم الشدة أو الرخاء عن طريقهم، وتاريخهم خير شاهد بهذه الحقيقة، بل واقعهم اليوم مازال يشهد بذلك.
كما أن الدولة إذا حسبت أن ذلك سيوقف المد الإسلامي، وسيطفئ نور الله فهيهات هيهات! لأنه دين الله، وما الإخوان وغيرهم من المسلمين إلا عمال في هذا الدين عند ربهم، وبغيرهم سينصر الله دينه ويمكن له في الأرض، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: 38) وقال تعالى: ﴿هوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (الفتح: 28).
ولكن هذا النفر من الإخوان، بل الإخوان كلهم، مع تحملهم وصدهم وإحسانهم فإنهم لن ينسوا حقهم، وسيطالبون به عند الله يوم القيامة، ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (88) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾ (الشعراء) ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (الانفطار: 19).
سيقولون لله:.. سل هؤلاء فيم ظلمونا وآذونا وعذبونا وحرضوا علينا.. كذلك ووضعوا عنا تقارير عارية من الصحة.. ويومها يا أركان الدولة والنظام .. أيضا ماذا سيكون جوابكم؟
إن بمقدوركم الآن .. أيضا إعفاء أنفسكم من هذه الوقفة.. التي لا تحسدون عليها يومئذ.. ذلك بإنهاء الأمر عن طريق الحوار .. ولفت الأنظار إلى الصواب.. والتعاون لمصلحة الوطن.. أيضا ودفعه إلى الأمام، والله أكبر ولله الحمد.