تأملات (7) مع دمحمد علي
حين كتب مايكل هارت كتابه عن العظماء المائة في تاريخ الإنسانية وضع محمدًا -صلى الله عليه وسلم- على رأسهم،
أيضا وقال: “لا بد أن يندهش كثيرون لهذا الاختيار، ومعهم حق في ذلك،
ولكن محمدًا هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحًا مطلقًا على المستوى الديني والدنيوي”،
وهو بذلك يوضح لماذا لم يضع المسيح في هذه المكانة لأن نجاح المسيح كان دينيًا فحسب كما يقول.
هذه الدهشة منتشرة في كتابات الغربيين الذين لا يكادون يصدقون أن رجلًا استطاع تحويل أمة العرب من حالها القديم إلى هذا الحال
الذي جعلها تقيم أعظم وأرسخ إمبراطورية في التاريخ بهذه السرعة
فكيف أسس الإسلام نظامه الاجتماعي فحقق ثورة في العمل الخيري؟! لقد أقام الإسلام المجتمع الإسلامي على قاعدة يمكن أن نسميها “المجتمع المتين”،
وذلك بإنشاء روابط وعبادات ومؤسسات تزيد من قوة هذه العلائق وتماسكها.
فأما الروابط فهي ثلاثة: رابطة الدين، رابطة الرحم، رابطة الجوار.
رابطة الدين
تؤسس لعلاقة بين المؤمنين ليكونوا “كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر”،
و”كالبنيان يشدُّ بعضه بعضًا”، ولكل مسلم حق على كل مسلم وإن لم يشترك معه في رحم أو جوار أو لغة أو لون أو جنس.
تأملات (7) مع دمحمد علي
رابطة الرحم
تجمع الإنسان بذوي نسبه، وتبلغ صلة الرحم من المكانة أن الله اشتقها من اسمه فوصل من وصلها وقطع من قطعها،
أيضا والمسلم يصل أرحامه وإن لم يكونوا مسلمين.
كذلك وهذه الرابطة فطرة إنسانية يقويها الإسلام وينميها، ويخطئ البعض حين يتصور أن الإسلام أتى بما يحل علاقة القبيلة ليجعل محلها علاقة الدين،
فالصحيح أن الإسلام رفع علاقة الدين فوق كل علاقة ليكون الحق هو أساس كل شيء
وهو المهيمن على كل حركة، لكنه أبقى كل علاقات الوصل الطبيعية في المجتمعات كما هي بل وساعد في تقويتها وإنمائها.
ولقد كان النبي يقول: “قوموا لسيدكم”، ويأخذ البيعة من نقباء أقوامهم،
وظلت الجيوش الإسلامية تقاتل في كتائب قبلية وعلى نحو ترتيبها في الموقع الجغرافي من الجزيرة العربية،
بل ولا بأس أن تستعمل رابطة القبيلة في التحفيز كما فعل خالد وهو يخوض معركة المرتدين من أتباع مسيلمة.
رابطة الجوار
أيضا هي تجمع بين الإنسان وجيرانه، وحق الجار -وإن لم يكن مسلمًا- من الحقوق المقدرة في الإسلام، حتى ظن النبي يومًا أن الجار سيرث في جاره،
كما وصل الأمر إلى حد نفي الإيمان عمن بات شبعانًا وجاره جائع،
بل عمن لا يأمن جاره أن يصيبه شيء من شره!! وهي درجة غير مسبوقة في العلاقات الإنسانية.
إذا فبمجموع هذه الروابط الثلاث يتحول المجتمع المسلم إلى بناء متماسك متحد متين