صناعة الأمـل 2

صناعة الأمـل

بقلم: د. توفيق زبادي

إن الأمة الناهضة تحتاج إلى الأمل الواسع الفسيح، وقد أمد القرآنُ الأمة الإسلامية بهذا الشعور بأسلوب يخرج من الأمة الميتة أمة كلها حياة وهمة وأمل وعزم، وحسبك أنه يجعل اليأس سبيلاً إلى الكفر، والقنوط من مظاهر الضلال، وإن أضعف الأمم إذا سمعت قوله تعالى: {وَنرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين} [القصص:5]،

وقوله تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كنتُم مُّؤْمِنِين} [آل عمران:139]،

أيضا وقوله تعالى: {هوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الأَبْصَار} [الحشر:2]،

وقوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيب} [البقرة:214].

إن أضعف الأمم إذا سمعت هذا التبشير كله، وقرأت ما إليه من قصص تطبيقية واقعية؛ لابد أن تخرج بعد ذلك أقوى الأمم إيماناً وأرواحاً، ولابد أن ترى في هذا الأمل ما يدفعها إلى اقتحام المصاعب مهما اشتدت، ومقارعة الحوادث مهما عظمت؛ حتى تظفرَ بما تصبو إليه من كمال.

تعريف صناعة الأمل:

الصنع: إجادة الفعل([1]).

الأمل في اللغة:

أ م ل: الأَمَلُ الرجاء يقال أمَل خيره يأمل بالضم أملاً بفتحتين وأَمَّله أيضاً َأْمِيلا وتأمَّلَ الشيء نظر إليه مستبيناً له([2]).

وأملاً: من باب طلب ترَقَّبَتُه، قال زهير: أَرْجُو وَآمُلُ أَنْ تَدْنُوَ مَوَدَّتُها([3]).

والمقصود بصناعة الأمل:

إجادة الفعل في تفجير القوة الدافعة التي تشرح الصدَر للعمل، وتخلق دواعي الكفاح من أجل الواجب، وتبعث النشاطَ في الروح والبدن، وتدفع الكسولَ إلى الجد، والمُجِّد إلى المداومة على جِدِّه، والزيادة فيه، وتدفع المخفقَ إلى تكرار المحاولة حتى ينجحَ، وتحفز الناجحَ إلى مضاعفة الجهد؛ ليزداد نجاحه.

النبي-r – والتربية على الأمل:

إن النبي –r – قذف في قلوب صحابته مشاعر ثلاثة أشرقت بها وانطبعت عليها:

أولاً: قذف في قلوبهم أن ما جاء به هو الحق وما عداه الباطل وأن رسالته خير الرسالات، ونهجه أفضل المناهج، وشريعته أكمل النظم التي تتحقق بها سعادة الناس أجمعين، وتلا عليهم من كتاب الله ما يزيد هذا المعني ثباتاً في النفس وتمسكاً في القلب: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم} [الزخرف:43]؛ فآمنوا بهذا واعتقدوه وصدروا عنه.

ثانياً: وقذف في قلوبهم أنهم ما داموا أهل الحق وما داموا حملة رسالة النور وغيرهم يتخبط في الظلام، وما دام بين يديهم هدى السماء لإرشاد الأرض فهم إذن يجب أن يكونوا أساتذة الناس وأن يقعدوا من غيرهم مقعد الأستاذ من تلميذه: يحنوا عليه ويرشده ويقوِّمه ويسدده ويقوده إلى الخير ويهديه سواء السبيل.

وجاء القرآن الكريم يثبت هذا المعني ويزيده كذلك وضوحاً، وصاروا يتلقون عن نبيهم من وحي السماء: {كنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُون} [آل عمران:110]؛. فآمنوا بهذا أيضاً واعتقدوه وصدروا عنه.

ثالثاً: وقذف في قلوبهم.. كذلك أنهم ما داموا كذلك مؤمنين بهذا الحق معتزين بانتسابهم إليه..  فإن الله معهم يعينهم ويرشدهم وينصرهم .. أيضا ويؤيدهم ويمدهم إذا تخلي عنهم الناس.. كذلك ويدفع عنهم إذا أعوزهم النصير .. أيضا وهو معهم أينما كانوا.

صناعة الأمـل

وإذا لم ينهض معهم جند الأرض تنزل عليهم المدد من جند السماء وأخذوا يقرءون هذه المعاني السامية واضحة في كتاب الله : }إِنَّ الأَرْضَ للهِ يورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ {[4] .

}وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ{[5] . }وَنرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتضْعِفُوا فِي الأَرْضِ{ [6].

قرءوا هذا وفقهوه جيداً فآمنوا به واعتقدوه وصدروا عنه.

وبهذه المشاعر الثلاثة:

–    الإيمان بعظمة الرسالة.

–    والاعتزاز باعتناقها.

–    والأمل في تأييد الله إياها.

كما أحياها الراعي الأول – r – في قلوب المؤمنين من صحابته بإذن الله..  وحدد لهم أهدافهم في هذه الحياة.. لذلك فاندفعوا يحملون رسالتهم محفوظة في صدورهم أو مصاحفهم.. أيضا بادية في أخلاقهم وأعمالهم معتدين بتكريم الله إياهم واثقين بنصره وتأييده.. كذلك دانت لهم الأرض وفرضوا علي الدنيا مدنية المبادئ الفاضلة .. أيضا وحضارة الأخلاق الرحيمة العادلة.. كذلك وبدَّلوا فيها سيئات المادية الجامدة إلى حسنات الربانية الخالدة..  ويأبى الله إلا أن يتم نوره.