تربيتنا الروحية

تربيتنا الروحية 2

إن الكلام عن السير إلى الله ليس سهلاً..

أولاً: لأنه لا يمكن حصره وضبطه. وثانياً: لأن الناس في هذا الشأن أصناف ولكل مشربه الذي ألفه وحصر فيه ما لا يدخل تحت حصر وينظر إلى الأمور كلها بمنظاره الخاص به ويحاسبك على ذلك وهذا كذلك مظهر من مظاهر الغلط في هذا الشأن ومن العجيب أنك تجد عند كثير من الناس القاعدة المسلمة والعمل المخالف، فمثلاً من عبارات الصوفية المشهورة على لسان كل واحد منهم “لله طرائق على عدد الخلائق”

وهي عبارة واضحة المعنى تشير إلى أن طرق الوصول إلى الله كثيرة جداً ولكنك تجد الكثيرين يربطون بين الوصول وبين معان بعينها هذه المعاني قد لا يستطيعون إقامة الدليل على اعتمادها في السنة الثابتة أصلاً فكيف يعلق أمر الوصول إلى الله وهو من أهم الأمور الشرعية على الإطلاق بقضايا لم تكن النصوص فيها واضحة وضوحاً كاملاً تدل على مفاهيم بعض من هؤلاء للأمور الآنفة الذكر، أجدني مضطراً لعرض قضية السير إلى الله عز وجل مرة ومرة ومرة بشكل ثم بآخر ليتضح الأمر في هذا الشأن وليتجنب المسلم الأغاليط، وأهم من هذا كله ليأخذ حظه من السير إلى الله على بصيرة.

إن كثيرين من الناس ربطوا بين التصوف والألغاز وجعلوه مليئاً بالأسرار فضخموا وأوهموا حتى أصبح التصوف علماً على الشيء الذي لا يمكن فهمة أصلاً، وجعلوا التصوف شيئاً خاصاً بطبقة من الناس وهو في أصله ومضمونه مطالب به كل الناس، فهل كان واحد من الصحابة إلا وله سيره الخالص إلى الله عز وجل وهل الصحابة إلا قدوة الخلق في كل شيء؟.

تربيتنا الروحية 2

ولماذا الدعاوى والتبجحات؟ هذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو الذي تمر عليه أكثر الطرق الصوفية على شك في ذلك، عندما سأله بعضهم: هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ قال: لا إلا فهماً أوتيه عبد من كتاب الله وما في هذه الصحيفة ولم يكن في الصحيفة إلا بعض الأحكام الشرعية. هذا هو الأمر: الإنسان كلما صفا حاله مع الله، دق فهمه عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إني أريد أن أرجع في التصوف إلى أصوله الصحيحة ليكون زاداً للجميع ثم لكل إنسان سقفه وفهمه وقد خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه بمعان ولكنها ليست من قبيل التكليف العام للأمة ثم إن تفسير هذه المعاني معروف، فلا يجوز لأحد أن يحملها على ما ينقض الشريعة، لقد خص حذيفة رضي الله عنه بتعريفه على المنافقين، وسر ذلك واضح وهو أن يوجد في جيل الصحابة من يضع الأمور في مواضعها إذا أصبح لواحد من المنافقين وضع ما يمكن أن يؤثر على المجتمع الإسلامي.

التصوف الصحيح

وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: “أخذت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين، جراباً بثثته بينكم، وجراباً لو ذكرته لقطع مني هذا الحلقوم” رواه البخاري والجراب الثاني لمح عنه أبو هريرة عندما كان يقول: أعوذ بالله أن تدركني سنة وإمرة الصبيان وقد يتبين بعد ذلك أنه يعني إمرة يزيد بن معاوية، وإذن فالأمر مرتبط بقضية أحداث سياسية معينة ستجري على هذه الأمة لأنه لو تكلم بها لقتل بسبب ما سيتركه كلامه من آثار، ثم لو كان ما عند أبي هريرة مما كلفت به الأمة لأظهره، ثم لا يصلح كلامه متكئاً لأي إنسان يدعي أن هذا الذي خص به هو من نوع من كذا وكذا مما لا يتفق مع أصل شرعي، إذ في هذه الحالة يستطيع كل مدع.. أيضا وكل عدو للإسلام وكل زنديق:

وكل باطني أن يدعي أن ما هو فيه.. كذلك وما يدعو إليه..  هو من مثل هذا الجراب: هذا كلام ساقط لا تقوم به حجة .. ليس هناك في الإسلام ظاهر ينقض باطناً .. ولا باطن ينقض ظاهراً.. كذلك ومن ادعى ذلك فإنه كافر بإجماع المسلمين .. {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنِ وسبحان الله وما أنا من المشركين} [يوسف: 109]..  “وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها سواء” .. رواه ابن ماجة بحجة الأسرار صار لكل قضية رموزها..  وبحجة معرفة أسرار الذات الإلهية.. كما طرح بعضهم قضية وحدة الوجود .. حتى أصبح المسلم عند هؤلاء..  إذا لم يقل بها لا يكون عارفاً بالله.. كذلك ونجد بعضهم يراوغ في هذا الشأن .. فإن جاءه متشرع فسرها له بشكل .. أيضا وإن جاءه مستسلم فسرها له بشكل آخر..  ونحن لا نحاسب الناس على نياتهم..  ولكن نحاسبهم على أقوالهم.