تربيتنا الروحية

تربيتنا الروحية 3

قال بعض الصوفية:

وما الكون في التمثال إلا كثلجة

وأنت لها الماء الذي هو نابع

فما الثلج في تمثالنا غير مائه

وغيران في حكم قضته الشرائع

ماذا يفهم الفاهم من هذين البيتين سوى أن هذا الكون هو الذات الإلهية بعينها ولكنها تكثفت فصارت كوناً، كالماء تكثف فصار ثلجاً، فالشرائع تقول إن الثلج غير الماء أي أن الكون غير المكوِّن ولكن صاحب هذا القول يقول: إن الثلج هو الماء وبالتالي الكون هو الله أو هو جزء من الذات الإلهية تكثف. وعبر بعضهم عن هذا الموضوع بالمثال التالي: إن هذا الكون بالنسبة للذات الإلهية كله كموج البحر فلا هو عين البحر وليس غيره. ونقول: إن موج البحر هو جزء من البحر. لهؤلاء نقول: أفهمونا قوله تعالى {وجعلوا له من عباده جزءاً، إن الإنسان لكفور مبين} [الزخرف: 15] ما المراد بهذا؟ أليست هذه الآية واضحة في الإنكار على من جعل لله تعالى جزءاً وأن من جعل ذلك كافر بيِّن الكفر… فهل الاسرار المدعاة في التصوف نتيجتها أن نضل كما ضلت أمم سابقة؟ نعوذ بالله من ذلك.

نحن نعلم أن هناك حالات للسالك يحس فيها بأحدية الذات الإلهية ويستشعر فيها اسم الله الصمد وهي حالة يستشعر فيها السالك فناء كل شيء ولكن هذا الشعور لا بد أن يرافقه الاعتقاد بأن الله خالق وأن هناك مخلوقاً وأن الخالق غير المخلوق. إن التصوف هو تذوق العقيدة لا تقريرها بما يخالف النصوص والفهم الصحيح لها ولا يفوتنا ههنا أن نقول إن هناك ناساً يؤولون مثل هذا الكلام الذي ذكرناه تأويلات يتفق ظاهرها مع شرع الله، وقد سمعنا بعض شيوخنا يحمل البيتين على محمل مقبول شرعاً، أمثال هؤلاء الناس نحاسبهم على أقوالهم ونكل نياتهم إلى الله عز وجل، فإذا كانت أقوالهم في هذا الشأن كاعتقادهم فيه فنرجو لهم السلامة وإلا فنصوص الكتاب ظاهرة في الحكم عليهم..

علم التصوف

إن التصوف علم يحتاجه كل الناس ويسع كل الناس وقد يدق فهم بعض السالكين لبعض النصوص وقد يفهم بعض السالكين إلى الله من معاني النصوص ما لا يشعر به الآخرون وكل ذلك لا غبار عليه إذا لم ينقض نصاً أو يخالف نصاً إو إجماعاً، غير أنا نرى كثيراً من الكلام عند طبقات من الصوفية لا نرى له مثيلاً في عصر الصحابة، ولا في عصر التابعين، ولا في عصر تابعي التابعين، ويخالف النصوص ويخالف الاجماع.

ثم بعد ذلك يقدم التصوف للأمة على أنه هو هذا ويريد أصحابه هؤلاء من الأمة أن تسلم لهم بذلك ومن لم يسلم يا ويله من الألسنة الحداد والقلوب المنكرة… لهؤلاء نقول: على رسلكم، إن الله حد حدوداً وأنزل شرائع ونصوصاً هي الفيصل بين الحق والباطل وهي وحدها الحكم والميزان وما سوى ذلك ضلال وأوهام…

على ضوء ما ذكرناه من اعتبارنا أن التصوف هذا شأنه سنعرض قضية السير إلى الله غير أننا نحب أن ننبه إلى أننا ونحن نحاول أن نفهم التصوف علماً للجميع ونرسم ملامح للطريق تسع الجميع، أن علينا أن نتأنى في الحكم… فقد نقل عن كثير من أئمة التصوف بعض المعاني وكثير منها يمكن أن يكون له وجهه الفقهي والعلمي والشرعي ومن ثم فعلينا أن نتأنى في الحكم على ما نقرؤه من كتبهم وما نسمعه من أقوالهم وما نراه فيمن حولنا، علينا أن نتأنى في الحكم ليكون حكمنا على بصيرة، فإذا اطمأننا إلى أن حكمنا على قضية ما حكم صحيح شرعاً، وأن ما حكمنا عليه أنه خطأ لا يحتمل غير ذلك، على أننا في هذه الرسالة سنضع كثيراً من الأمور في نصابها بحيث يتضح وجه الخطأ أو الصواب في كثير من الأمور ما له علاقة في التصوف وأهله ولنبدأ بالمقصود:

تربيتنا الروحية 3

إن ركني السير إلى الله اللذين يستحيل سير بدونهما هما العلم والذكر فلا سير إلى الله بدون علم ولا سير إلى الله بدون ذكر، فالعلم هو الذي يوضح الطريق والذكر هو زاد الطريق وأداة الترقي قال عليه الصلاة والسلام “الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه أو عالماً ومتعلماً” رواه ابن ماجه وهو صحيح نحن بحاجة إلى العلم لنعرف الأوامر الإلهية، ولنعرف حكمتها فننفذ الأوامر ونحقق الحكمة، ونحن بحاجة إلى الذكر ليكون الله معنا في سيرنا إليه، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي “وأنا معه إذا ذكرني” (متفق عليه) وسترى قضية الذكر وأهميتها في السير إلى الله .. ذلك بشكل واضح في تفصيلات تأتي..  فركنا السير إلى الله علم وذكر..  ويستحيل أن يكون سير إلا بذلك..  غير أن السُلاّك على نوعين:

نوع غلب عليه الذكر مع أخذه حظه من العلم .. كذلك ونوع غلب عليه العلم مع أخذه حظه من الذكر .. وكل واحد منهما واصل في النهاية بإذن الله عز وجل.. أيضا ولا شك أن العلم المراد منه هو العلم بالكتاب والسنة..  وما يحتاجه السالك في سيره قبل أي شيء آخر..  وأن المراد بالذكر..  هو الذكر المأثور أو المندوب إليه الداخل.. كذلك ضمن أوامر الله ورسوله عليه الصلاة والسلام في باب الذكر..  إن الناس بشكل عام نوعان، نوع رغبته في العلم كبيرة .. أيضا وقدرته على العلم موجودة.. ونوع قدرته على العلم محدودة .. كذلك وطاقته على العبادة والعمل والذكر كبيرة .. أيضا فهذا طريقه الإكثار من الذكر ولا بد له من العلم،