وأعداء الدين بكل طوائفهم، والكارهون له ممن يزعم الانتساب إليه، ومعهم الجاهلون من أهله، كلهم يجعلون الطعن في السنة وتاريخ تدوينها بابا يدخلون منه ويتسربون من خلاله للطعن في الدين كله وفي السنة خاصة.. فهل فعلا لم يتم جمع السنة في عهد النبوة، وأنه لم يبدأ التدوين إلا بعد قرابة مائتي عام من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؟ ومن أول من كتبها؟ وما هو الحق في موضوع كتابة الأحاديث وبداية التدوين؟
الفارق بين التدوين والكتابة
لا يختلف أحد من أهل التاريخ وأساطين العلم على أن السنة لم تدون في دواوين خاصة وأسفار وكتب مخصوصة بالحديث في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا حتى في عهد الصحابة الكبار وكبار التابعين، وإنما بدأ هذا التدوين بمعناه الصحيح والمتعارف عليه في عهد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، الذي أمر بجمع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختار للقيام بهذه المهمة أهل العلم والثقة والإتقان وعلى رأسهم الإمام الزهري وغيره.
وأما في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن تدوين الصحابة لحديث رسول الله وكتابتهم له مر بمرحلتين هامتين:
أولهما: مرحلة النهي عن الكتابة.
ثانيهما: مرحلة السماح بالكتابة ونسخ النهي.
تدوين السنة في العهد النبوي
أولا: مرحلة النهي عن كتابة الحديث:
كانت هذه المرحلة في البداية حيث نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة الأحاديث خشية الخلط بين السنة والقرآن، فإن الوحي كان في بدايته، وربما لم يميز السامع بين كلام الله وكلام رسوله.. أو ربما التبس على بعض من لا يفرق بينهما..
وعمدة هذا النهي ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه سولم قال: (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه). وهذا أصح ما ورد في هذا الباب..
وعن أبي سعيد .. أيضا قال: “جهدنا بالنبي صلى الله عليه وسلم.. أن يأذن لنا في الكتاب فأبى”.. كذلك وفي رواية عنه .. قال: “استأذنا النبي صلى الله عليه وسلم .. في الكتابة فلم يأذن لنا”.. (انظر الإلماع: 28، وتقييد العلم: 32، والمحدث الفاصل45)