النصرة بالضعفاء سهم لاينسى

النصرة بالضعفاء سهم لاينسى2

الثاني- مارواه الامام أحمد و الترمذي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: « أَبْغُونِي ضعَفَاءَكُمْ، فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا ترْزَقُونَ وَتنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ »

ومعنى « أَبْغُونِي» أي اطْلُبُوا رِضَايَ فِي ضعَفَائِكُمْ، وتقربوا إِلَيَّ بالتقرب إليهم وتفقد حالهم وحفظ حقوقهم والإحسان إليهم قولا وفعلا واستنصارا بهم، فهم الأحَقُّ بمجالستي، وبالقرب مني،

ومعنى إِنَّما تنصرون وترزقون بضعفائكم: أي إِنَّما تمَكَّنون من الانتفاع بما أخرجنا لكم و تعانون على عدوكم ويدفع عنكم البلاء والأذى بسبب وجود ضعفائكم بين أظهركم، أو بسبب رعايتكم لهم أو ببركة دعائهم، وذلك لأنهم أشد إخلاصا في الدعاء وأكثر خضوعا في العبادة لجلاء قلوبهم عن التعلق بزخرف الدنيا، ومن هنا استدل بعض العلماء على استحباب إخراج الشيوخ والصبيان في صلاة الاستسقاء، فالضعيف إذا رأى عجزه وعدم قوته تبرأ عن الحول والقوة بإخلاص، ورق قلبه واستكان لربه وتضرع إليه فيستجيب الله دعاءه ويحقق له رجاءه، وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، بخلاف القوي فإنه يظن أنه إنما يغلب الرجال بقوته، فيكله الله الى نفسه على قدر عجبه، ويكون ذلك سَبَبًا للخذلان،

والمقصود بالضعفاء : مَنْ يكون ضعفه  في بدنه (المرض الجسماني ) أو في نفسه (المرض الذهني والنفسي ) أو في حاله (الفقر وقلة ذات اليد )، والنصوص تشمل الأنواع الثلاثة، فإِنْ قيل بأَنَّ المقصود بالضعفاء هم من يستضعفهم الناس لفقرهم ورثاثتهم، لأنهم هم الذين يستطيعون الدعاء والصلاة، كما في رواية النسائي: « قال صلى الله عليه وسلم: إِنما ينصُر الله هذه الأمةَ بضعيفها: بدعوتِهم، وصلاتِهم، وإِخلاصهم»،

 فالجواب أَنَّ الدعاء والصلاة والاخلاص قد تتحقق في النوعين الآخرين،  ليس من المريض نفسه و إِنَّمَا  مِمَّنْ  يقوم على رعايته، فكم من مريض يتضرع أهله إلى الله وتنكسر له قلوبهم أكثر من صاحب المرض ذاته.

النصرة بالضعفاء سهم لاينسى2

 الجمع بين التوكل واليقين وبين الأخذ بالأسباب :

قد يظن القارئ الكريم أَنَّ هناك تعارضا بين النصوص السابقة وبين النصوص التي تمدح المؤمن القوي وتأمره بالأخذ بالقوة والاستعداد للاعداء، وعند التأمل نجد أَنَّه لا تعارض، إذ المراد أَنَّه متى تمكن المسلم من الأخذ بأسباب القوة المادية وتيسرت له فعليه أنْ يسارع ولا يفرط ولا يقصر،

وقد ورد الجمع بين الأمرين في قول الله عز وجل لنبيه: « وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ » (الحجر :99)

والمعنى: استمر في جميع الأوقات على التقرب إلى الله بأنواع العبادات البدنية والمالية والقلبية، حتى يأتيك الموت، وأنت على ذلك، وقد امتثل أمر ربه – بأبي هو وأمي- صلى الله عليه وسلم -، فلم يزل دائبا في العبادة بجميع أنواعها حتى أتاه اليقين.

احرص علي ما ينفعك

كما جمع النبي الكريم بين الأمرين في قوله «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ، وَأَحَبُّ إِلى اللَّه مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ. وفي كلٍّ خَيْرٌ. احْرِصْ على ما يَنْفَعُكَ، واسْتَعِنْ بالله ولا تَعْجَز..»

فقوله: « احْرِصْ على ما ينفعك» أمر بكل سبب ديني ودنيوي، بل أمر بالجد والاجتهاد فيه والحرص عليه، نية وهمة، فعلاً وتدبيراً.

وقوله: «واستعن بالله» أمر بالاعتماد التام على الله في جلب المصالح ودفع المضار، مع الثقة التامة في تحقيق ذلك.

أَمَّا إِذالم يتمكن المسلم من الجمع بين الأمرين-كأن حبسه المرض في نفسه أو غيره – فعليه خفض الجناح ورقة القلب والانكسار بمشاهدة جلال الجبار،

والخلاصة أَنَّ قلب العبد وجوارحه .. أيضا في حالة استنفار تام في ذات الله..  الجوارح تستفرغ الوسع في الأسباب .. أيضا حتى يحس صاحبها من نفسه..  أنَّه لا مزيد.. كذلك والقلب يستجلب رضا الله وعونه..  وثقته ورجاءه والطمع فيه..  فإِنْ حدث وقعدت به الأسباب.. أيضا فليتحرك بقلبه الى الله..  فإِنَّ الله منجز له ما وعد.. كذلك و ليس هذا فحسب..  بل ربما تَفَجَّرَتْ ينابيع الحكمة.. أيضا من قلبه على لسانه .

 كذلك فلنحرص على..  تذكير الضعفاء وذويهم .. بهذه الْمِنَّةِ..  وأن يقبلوا من الله صدقته.. أيضا وألَّا يستصغروا جهودهم..  فدعاؤهم لا يقل تأثيرا في الاعداء.. أيضا عن تأثير المدافع والدبابات.

 اللهم أَصْلِحْ لنا شَأْنَنَا كلَّهُ..  ولا تَكِلْنَا إِلى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ..  ولا إِلى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ.آمين