كان “زيد” وصديقه يعملان معًا في شركةٍ من الشركات، وكانا ممن يحسبون على أصحاب التوجه الإسلامي من حيث المحافظة على أداء الصلوات، والالتزام إلى حدٍّ ما بضوابط الإسلام وهديه.

وفي يوم من الأيام، وبينما كانا يقومان بأداء عمل مشترك إذ حدث خطأ ما، كان زيد هو المتسبب فيه، فلامه صديقه على خطئه، وخاصةً أن وضعه في الشركة قد يتأثر بسبب هذا الخطأ، إلا أن زيدًا لم يعترف بخطئه، بل واعتبر أن صديقه هو المخطئ، وأراد أن يؤكد ذلك له فاقترح عليه أن يقوم (فلان) صديقهما بالتحكيم بينهما وتحديد المخطئ، فذهبا إليه وقصا عليه ما حدث، فكان قراره بأن زيدًا هو المخطئ.

استشاط زيد غضبًا .. كما واعتبر ذلك التحكيم “محاباة” لصديقه..  فطلب أن يحتكما إلى آخر..  وتم له ما أراد ليكون قرار الحكم الثاني بأنه هو المخطئ.. ازداد غضب زيد وطلب حكما ثالثًا..  بعد أن اتهم الحكم الثاني أيضًا بالمجاملة والمحاباة .. ذلك لأنه تربطه بصديقه صلة قديمة و..  فذهبا للثالث ويستمع إليهما بإمعان..  ثم يكون حكمه مثل سابقيه..  بأن زيدًا هو المخطئ وعليه الاعتذار لصديقه.. فهل رضخ زيد لهذا الأمر؟!

للأسف لم يحدث هذا بل ازداد غضبه واتهامه للجميع بمجاملة صاحبه ومحاباته، وأن هناك مصالح بينهم وبينه تدفعهم للانحياز له.

تحذير عندما تهمل النفس

هذه قصة حقيقية، وليست من نسج الخيال، ليبقى السؤال: ما الذي يدفع زيدًا للتشبث بموقفه الرافض للاعتراف بخطئه- الظاهر البين- الذي لم يختلف عليه اثنان، وخاصةً أن اعترافه بخطئه لن يترتب عليه عقوبات تصيبه؟

هل لأنه لا يريد أن يظهر بمظهر المخطئ؟!

أم هل لأن نفسه تأبى عليه الاعتراف بذلك؟!

هل لأنه يعتبر هذا الاعتراف منقصة في حقه، وحطًّا من قدره؟!

بلا شك هناك سبب داخلي..  في ذات زيد .. حيث دفعه لاتخاذ هذا الموقف..  الذي تكرر منه في مواقف كثيرة سابقة..  فتشبثه برأيه.. أيضا وعدم اعترافه بخطئه بهذه الطريقة.. كذلك يعكس خللاً في تعامله مع نفسه..  فبدلاً من أن يقودها إلى التواضع وخفض الجناح للآخرين.. أيضا والاعتراف بالخطأ عند الوقوع فيه..  والاعتذار عنه.. بدلاً من أن يقوم بذلك..  حدث العكس فقادته نفسه إلى الشعور بالعزة الزائفة.. كذلك والتميز على الآخرين..  فكان منه ما كان في الموقف السابق .. وغيره من المواقف المشابهة.

هذه للأسف ليست مشكلة زيد فقط .. ولكنها مشكلة متكررة.. أيضا قد نراها في أماكن كثيرة..  ونشاهد معها آثارًا سلبية خطيرة.

من هنا تظهر قيمة وأهمية التعرف على النفس، وضرورة جهادها وتزكيتها.

ما النفس؟

من تعريفات النفس أنها مَجْمَع الشهوات داخل الإنسان؛ لذلك فمن طبيعتها أنها تطمح دومًا لتحقيق ما تهوى وترغب، وتريد أن يكون لها حظ ونصيب في كل عملٍ يقوم به الإنسان دون النظر إلى عواقب ذلك، كالطفل الذي يقوم بالضغط والإلحاحِ على أبويه للحصول على شيءٍ قد يكون فيه ضرره، فالنفس كما وصفها القرآن ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (يوسف: من الآية 53)، وهي لا تأمر بالسوء لحبِّ السوء في ذاته، ولكن ظنًّا منها بإمكانية تحصيل الشهوة منه.

ومن صفاتها أنها شحيحة تحب الاستئثار بكل شيءٍ فيه نفع لها ولو كان نفعًا محدودًا.. قال تعالى: ﴿وَأحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ (النساء: من الآية 128).

لديها القابلية للفجور والطغيان إذا تركها صاحبها بدون ترويضٍ وتربيةٍ ومتابعة؛ ولديها كذلك القابلية للاستكانة والتطويع إذا ما روضت وزكيت ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾ (الشمس).

أشد ما يسعدها شعورها بالتميز عن الآخرين، وأشد ما يشقيها ويحزنها شعورها بالنقص عنهم.

وهي ميدان التكليف.. مَن يزكيها يفلح ويفوز، ومَن يتركها دون ترويض يخيب ويخسر.. ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾ (الشمس).

ويكفي في بيان قوة طغيانها عندما تترك بدون تزكية وتربية ما فعلته مع قوم ثمود عندما أبت عليهم نفوسهم الإيمان بالآية العظيمة (الناقة)، بل ودفعتهم إلى قتلها ليحق عليهم العذاب الوبيل ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ نَاقَةَ اللهِ وَسقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14)﴾ (الشمس)، وكذلك ما فعلت بابن آدم عليه السلام ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ (المائدة: من الآية 30).