تحذير عندما تهمل النفس 2
بقلم: د. مجدي الهلالي
أقسام هوى النفس
النفس تهوى وتميل دومًا إلى تحصيل الشهوات، وهذه الشهوات تنقسم إلى قسمين: قسم جليٌّ، وقسم خفيٌّ، فالشهوة الجلية: هي اللذة الناتجة عن الطعام والشراب و… إلخ.
أما الشهوة الخفية: فهي تلك اللذة الناتجة عن مدح الناس وثنائهم، وكذلك الشعور بالعلو والتميز على الآخرين، وارتفاع المنزلة عندهم، والتقدم عليهم.
ولأن النفس محبوبة، وما تدعو إليه محبوب نجد الكثير من الناس لا ينتبه لخطورتها، بل ويسترسل مع هواها في تحصيل الشهوات- وخاصةً الخفية- دون أن يدرك أنه بذلك يخونها ويظلمها عندما يتبع هواها، ويساهم في طغيانها، ويقترف من أجلها الذنوب والمخالفات التي تستدعي وتستوجب العقاب الإلهي في الدنيا والآخرة ﴿وَمَا ظَلَمَهُمْ اللهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (النحل: من الآية 33).
البعض قد يستشعر أهمية المعرفة، فينمي عقله بالعلوم النافعة، وقد ينتبه لقلبه فيتعاهده بالأوراد التي تزيد الإيمان، ولكنه ينسى أن بداخله مَن يتربص بكل أعماله ليأخذ نصيبه وحظه ولذته منها، فيتعرض بذلك عمله لخطر عدم القبول.. إنها نفسه التي بين جنبيه.
الشهوة الخفية:
إذن فالنفس هي العقبة الكئود بيننا وبين الله عز وجل، ولقد خلقها الله- عزَّ وجل- بهذه الصفات ليختبر مدى صدق عبوديتنا له، فلولا وجودها لما وجد العبد أي مشقةٍ في القيام بالطاعة، والإخلاص لله عزَّ وجل.
وشهوات النفس الجلية قد ضبطها الشرع وحددها من حيث الحلال والحرام والمباح والمكروه؛ لذلك فمن السهل على صاحب الإيمان الحي أن يلتزم- بعون الله- بهذه الضوابط.
أما الشهوات الخفية فمع تحذير الشرع الشديد من الاسترسال معها إلا أن الكثيرين لا ينتبهون إلى هذا التحذير ولا يتعاملون معه مثل تعاملهم الحذر والمنضبط مع الشهوات الجلية؛ وذلك لأن الشهوةَ الخفية ألذ وأحب إلى النفس من الشهوة الجلية.
ومن أهم الشهوات الخفية التي تسكر النفوس، وتجعلها في حالةٍ من السعادة والنشوة: الشعور بالرضا عن النفس، والتميز عن الآخرين، وعلو المنزلة عندهم، وإذا أردت تخيل هذه المشاعر فما عليك إلا أن تتذكر حالك عندما تتعرض للمدح من غيرك.
ومن صور الشهوات الخفية التي تحرص عليها النفس: علو المنزلة عند الناس من خلال تحسين وتجويد العمل أمامهم، وذكر ما خفي من الأعمال الإيجابية لهم، كل ذلك قد يفعله المرء من أجل استنطاق مدحهم وثنائهم عليه، وعلو المنزلة عندهم، ومن ثم استجلاب الشعور بالرضا عن النفس.. وما أدراك ما شعور الرضا عن النفس وما فيه من لذةٍ وحلاوة!!.
وليس حرص المرء على إظهار عمله أو التحدث عنه هو وحده الذي يستجلب به مشاعر الرضا عن نفسه، بل هناك ما هو أخطر من ذلك لإمكانية ملازمته لكل عمل- في السر والعلن- ألا وهو إعجاب المرء بعمله أو إمكاناته، واستعظامه لهما.
هذا الأمر إذا ما تجاوب معه الإنسان واستسلم له فإنه يؤدي به إلى الغرور، والانخداع بنفسه ويؤدي به كذلك إلى الكبر والتعالي على الآخرين، ورفض الانصياع للحق والاعتراف بالخطأ، ويكفي أن إبليس رفض أمر الله عز وجل بالسجود لآدم.. بسبب تمكن هذا الأمر منه .. ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ (الأعراف: من الآية 12).
تحذير عندما تهمل النفس 2
خطورة الرضا عن النفس والإعجاب بها
الرضا عن النفس والإعجاب بها .. أيضا من أمراض القلوب.. وهو يحبط العمل الملازم له.. أيضا ويعرِّض صاحبه لمقتِ الله.. قال صلى الله عليه وسلم: “النادم ينتظر الرحمة.. والمعجب ينتظر المقت“(1).. وقال: “من تعظَّم في نفسه، واختال في مشيته.. لقي الله وهو عليه غضبان“(2).
وهو من المهلكات التي تهلك المرء.. حيث قال صلى الله عليه وسلم: .. “فأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه“(3).
وقيل للسيدة عائشة رضي الله عنها: .. متى يكون الرجل مسيئًا؟.. قالت: إذا ظنَّ أنه محسن.
والعجب يؤدي إلى الخذلان.. كذلك وقلة التوفيق.. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثمَّ وَلَّيْتُم مدْبِرِينَ﴾ (التوبة: من الآية 25).
وعندما توالت انتصارات خالد بن الوليد.. رضي الله عنه.. في العراق،.. حيث بعث إليه أبو بكر الصديق.. رضي الله عنه.. أيضا برسالة يهنئه على النصر.. كذلك ويحذره من العجب.. فقال له.. : “فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة.. فأتمم يتمم الله لك.. ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل.. وإياك أن تدَّل بعمل.. فإنَّ الله له المن وهو ولي الجزاء”(4).