نواميس في عالمٍ متغيرٍ تحكمه الأحداث والقرارات والظروف، هناك قوانين خفيّة تعمل بصمت، لا تَرى بالعين، لكنها ترى في آثارها. تعرف هذه القوانين بـ النواميس، وهي السنن الربانية والاجتماعية التي لا تتبدل ولا تتحول، والتي بها تسير الحياة، وتقاس بها حركة المجتمعات صعودًا وهبوطًا.
هذه النواميس لا ترتبط بزمن ولا بجغرافيا، بل تنطبق على الفرد كما تنطبق على الأمم، وتعمل على الجميع دون تحيز. من يفهمها يحسن التعامل مع الواقع، ومن يتجاهلها يتعثّر ولو ظن أنه محسن.
أول ما ينبغي إدراكه هو أن التغيير لا يفرض من الخارج، بل يولد من الداخل. “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” ليست مجرد آية، بل قانون صارم. فمن أراد نهضة في مجتمعه أو عائلته أو حتى نفسه، فعليه أن يبدأ من ذاته. هذه السنّة توضح أن الخطوة الأولى لا تنتظرها من غيرك.
لكن هذا التغيير لا يتحقق فجأة، بل يأتي عبر التدرّج. فالنفس لا تروّض بالقفزات، والمجتمعات لا تعاد بناؤها بالقرارات اللحظية. التدرّج سنة من سنن الله حتى في الوحي؛ فقد نزل القرآن منجّمًا خلال 23 سنة. فكيف لا نتدرج نحن في بناء الإنسان؟
إذا تغيّرت النفوس وبدأ الإصلاح، تظهر حركة في الواقع. لكن هذه الحركة لا تسير في فراغ، بل تصطدم بقوى أخرى. هنا يظهر قانون التدافع. “ولولا دفع الله الناسَ بعضهم ببعضٍ لفسدت الأرض”، فالحياة لا تستقيم بالسكون، بل بالحركة والتفاعل، والحق لا يبقى إلا بمزاحمة الباطل.
الذين يتوقفون عن التغيير ويكتفون بالجمود، لا تجاملهم السنن. فهناك قانون الاستبدال؛ إذا تخلّت أمّة عن دورها في حمل القيم والنهوض بالمجتمع، جاء غيرها ليقوم بالمهمة. هذه ليست قسوة، بل عدالة تاريخية.
في كثير من الأحيان، قد يتأخر النصر، أو يتأخر العقاب، فيظن البعض أن الأمور تفلت من الرقابة. لكن هذه من سنّة الإمهال. يمهل الله الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. والإمهال فرصة للمراجعة لا دليلاً على القبول.
إذا استقام الإنسان أو المجتمع على طريق الإصلاح، ومرّ بسنن التغيير والتدرّج، وواجه التدافع بثبات، فإنه يَدخل في مرحلة النصر والاستخلاف. هذه ليست منحة مجانية، بل نتيجة منطقية لمن سار على طريق النواميس بثبات. “ولينصرن الله من ينصره”، و”ليستخلفنهم في الأرض” ليست وعودًا شعرية، بل قوانين لمن فهم الشروط والتزم بها.
القاسم المشترك بين كل هذه النواميس أنها ثابتة ومحايدة. لا تعرف مجاملة ولا تستجيب للعاطفة. من احترمها ارتقى، ومن خالفها تعثّر. وقد قيل: “الحياة لا تدار بالعواطف، بل بالقوانين”. وهذه القوانين هي النواميس التي بها يصلح الله الأرض ومن عليها.
You must be logged in to post a review.
لا توجد توصيات بعد.