رسالة حب إلى أخي
رسالة حب إلى أخي

 فضلاً لا تظن بي سوءًابقلم: محمد عبده

تأويل الأقوال والأفعال وحملها على غير المحمل الحسن أمرٌ يشق الصف المسلم ويقسمه ويوهن قواه، ويبث الضغينة بين أبنائه، ويفقِد الثقة بين أفراده، فالأصل أن تحمَل أقوال وتصرفات إخواننا على الطريق- قادةً كانوا أم جنودًا- على المحمل الحسن؛ حتى يظهر غير ذلك بدلائل وقرائن والتي توجب حينها الاستفسار والإيضاح، لا إصدار الأحكام واستباق الأحداث.

والوقوع في مثل هذا الأمر يغيِّر الوجهة والمقصد لدى المتسرع في إصدار مثل هذه الأحكام دون تبين أو تثبت، فالأصل هو حرصي على أخي وحب الخير له ومساعدته على تجاوز محنته، لا التسرع في إصدار حكم ضده أو إدانته إذا تلفَّظ أو فعل أمرًا يحتمل أكثر من تأويل.

ورابطة الحب والأخوَّة وصدق العهد والطلب التي جمعت الدعاة تجعلهم دائمًا بل وتحتِّم عليهم أن يذهبوا وبسرعة إلى تأويل القول أو الفعل الصادر من بعض إخوانهم إلى أفضل وأحسن التأويلات، وإلاَّ انقلب الأمر إلى سوء ظن.

فسوء الظن بالآخرين شيء قبيح، ومظهر من مظاهر ضعف الإيمان، ومرض يصيب القلوب الضعيفة التي تنتهز الهفوة والعثرة في سلوك الآخرين وتسهب في تحليلها، وتتعمق في تفسيرها على المراد السيئ الذي يستهويها، والذي به تنال من الآخرين.

رسالة حب إلى أخي

وهذا السلوك الذميم مرفوض في الجماعة المسلمة، التي وضعت قواعدها وبنَت وجودَها على أساس الحب في الله والأخوَّة الصادقة التي تحترم الآخرين وتثق بهم.. كما أن هذا السلوك مرض خطير ينبغي التخلص منه، والعمل على اقتلاعه من جذوره؛ إذ إن في استمراره إضعافًا للصف وتوهينًا له، وقد يؤدي إلى تفككه وانهياره، ولهذا حذر القرآن الكريم من الظن فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيْرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (الحجرات: من الآية 12).

وعلى ذلك أكد النبي- صلى الله عليه وسلم- حين قال: “إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث” (الحديث أخرجه البخاري في الصحيح (كتاب الأدب) باب ما يَنهَى عن التحاسد والتدابر).

أعراض سوء الظن

وقبل بيان خطورته وتأثيره على الصف نوضح أولاً أعراضه وعلاماته التي تساعدنا في التشخيص، والتي توضح مدى تمكن المرض من صاحبه، حتى لا نبني تشخيصَنا على ظنٍّ أو تخمين أو توقع، وأهم تلك العلامات:

1- التفسير السيِّئ للأفعال والأقوال الصادرة من الآخرين.

2- النقد اللاذع للأقران داخل الصف.

3- عدم التماس الأعذار للمخطئين.

4- المبادرة والمسارعة إلى اتهام الآخرين بحجة المصلحة العامة.

5- انتظار العثرة والسقطة من أفعال وأقوال الآخرين للتسميع والتشهير بها.

أمثلة من الواقع:

– عندما يرى صاحب هذا المرض الخطير أحد إخوانه في موضع شبهة فإنه لا يحمِّل نفسه عناء الاستفسار أو الاستيضاح والاستبيان قبل أن يرميَه بأي تهمة، كمن وجد أخاه يمشي في الشارع بصحبة امرأة، فهو في هذه الحالة في نظره أخٌ منحرفٌ غير ملتزم، لا يصلح أن يكون من الدعاة العاملين، وقد تكون هذه المرأة هي أخته أو إحدى محارمه، ودون أن يستوثق إذا به ينشر الخبر ويُذيعه بين الآخرين، وكأنه كان في انتظار هذه السقطة والعثرة.

– أو من يرى الاجتهاد في العبادة والنشاط في الدعوة والحركة لدى الآخرين رياءً وسمعةً، أو طلبًا للحمد والثناء، وليس له من الله في ذلك برهان سوى الظن السيِّئ.

– حتى في أشد الأمور وأعقدها، وهو طلب الزعامة..  أو التصدر للمسئولية.. كذلك فالقاعدة النبوية فيها واضحة..  وهي الرفض دون التجريح.. أيضا ففي حديث أبو موسى الأشعري رضي الله عنه .. حيث قال: دخلت على النبي- صلى الله عليه وسلم- .. أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحدهما: يا رسول الله .. أمِّرنا على بعض ما ولاَّك الله عز وجل..  وقال الآخر مثل ذلك..  فقال: “إنا والله لا نولِّي هذا العمل أحدًا سأله أو أحدًا حرص عليه” (متفق عليه)..  بمعنى أن ترفض طلبه لتوليه المسئولية .. ذلك دون تجريحه أو التعرُّض لنيته..  فقد يكون صادقًا في طلبه لخدمة الدعوة..

كما فعل نبي الله يوسف حينما قال ﴿اجْعَلْنِيْ عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّيْ حَفِيْظٌ عَلِيْمٌ﴾ (يوسف: من الآية 55).. أيضا هذا فيمن طلب الزعامة..  أو تصدَّى للمسئولية صراحةً .. كذلك وحرص عليها..  فما بالك أخي الكريم..  بمن قال كلمةً أو تلفَّظ بلفظ..  حيث يفهَم منه الطلب للرئاسة .. كما يفهَم منه غيره؟..  أليس من الأولى تأويلها .. أيضا إلى أحسن الظنون؟!

– أو من يرى التقصير في حقوق الآخرين، كعدم زيارة المريض، أو عدم إعانة محتاج تراءى له أنك في استطاعتك مساعدته، أو عدم إجابة دعوة أخيك، فهذه التصرفات ليس عنده لها تفسير إلا الكبر والتعالي على الآخرين.