تربيتنا الروحية

تربيتنا الروحية 4

ولقد قال ابن البنا السرقسطي “والقوم في هذا على فرقين، وحكمهم فيه على ضربين:

الفرقة الأولى:

“ففرقة طريقهم مبنية / على العقائد وحسن النية” وهذا يقتضي علماً وحسن توجه إلى الله.

قالوا فإن النفس كالمرآة

ينطبع الماضي بها والآتي

أي مما هو مستقر في أصل الخلقة للروح من معرفة الله والعبودية له والتسليم لأمره ماضياً وحاضراً ومستقبلاً (وإنما يعوقها أشياء) أي يعوق الروح عن أصل معرفتها أشياء هي “ترك المحاذاة أو الصداء” أي يعوقها عن معرفتها وعبوديتها إما غفلتها أو الصدأ المتراكم عليها بسبب الذنوب أو الغفلة، وإذا كان الأمر كذلك، فالعلاج هو إزالة الصدأ بحسن التوجه إلى الله عز وجل وذلك لا يتم إلا بذكر “قالوا وإن العين قد تغور” أي يذهب ماؤها والمراد بالعين هنا أصل الفطرة “وإنما يخرجها الحفير” أي يرجع الماء في العين بعد نضوبه الحفر وذلك عن طريق الذكر ”

وهذه طريقة الإشراق” أي هذا النوع من السير إلى الله يسمى طريق الإشراق. قال ابن عجيبة وتسمى طريقة الجلاء والتصفية لأنها مبنية على تصفية القلوب والسرائر بتخليتها من الرذائل وتحليتها بالفضائل، أقول وهذا كله لا يتم إلا بعلم وذكر “كانت وتبقى ما الوجود باقي” فهي طريقة في السير إلى الله مستمرة لأن كثيرين يسهل عليهم بعد أخذ حظهم من العلم أن يستغرقوا في الذكر والعبادة.

تربيتنا الروحية 4

الفرقة الثانية:

“وفرقة قالت بأن العلما

من خارج بالاكتساب أسمى”

أي أرفع وأعظم فهذه طريقة الأصل فيها العلم ولا بد من الذكر “وشرطوا العلوم في اصطلاحه” أي في اصطلاح هذا النوع من السير “إذ لا غنى للباب عن مفتاحه” فالعلم هو مفتاح الوصول إلى الله عز وجل ولكن أي نوع من العلم؟

“فليس للطامع فيه مطمع   ما لم تكن فيه علوم أربع”

فهذه العلوم مع الذكر هي شرط الوصول وقد حددها “وهي علوم الذات والصفات” أي معرفة ذات الله وصفاته وأسمائه “والفقه والحديث والحالات” أي وعلم الفقه وعلم الحديث أي والقرآن ثم علم الأحوال والمقامات والمنازلات ومخادع النفوس ومكايدها وما يجري مجرى ذلك “وهذه طريقة البرهان” أي هذا النوع من السير، سير قائم على الدليل التفصيلي في كل قضية “وهي لكل حازم يقظان” أن كلاً من الطريقتين لا بد له من علم وعمل، وأول العمل الذكر، ولكن كما قلنا من قبل. طريقةٌ: العلم فيها له المقام الأول من حيث نسبة العمل وللذكر المقام الثاني، وطريقة: الذكر فيها له المقام الأول من حيث نسبة ما يقضى فيه من الوقت، وللعلم المقام الثاني فلا بد في كل من الطريقتين من علم وعمل،

طريق العلم

ولذلك يقول ابن البنا نفسه

“إذا الطريق العلم ثم العمل      ثم هبات بعدها تؤمل”

وإنما قيدنا الأولية في الطريقين .. ذلك من حيث نسبة .. ما يعطى لكل منهما من الوقت..  لأن الأولوية المطلققة في كل من الطريقتين .. للعلم لأن العلم هو الإمام ولذلك قالوا:

“وكل من بغير علم يعمل    أعماله مردودة لا تقبل”

فالعلم هو البداية في كل شيء لكل أنواع السُلاّك إلى الله عز وجل ولذلك قال: ابن البنا: “فإن أتى القوم أخو فتون”، الفتون كما قال في مختار الصحاح هو الإفتتان، أي إذا جاء الشيوخ إنسان مفتتن بما يقطع عن الله وبما يشغل القلب عنه من ذنب وغيره “وقال يا قوم اتقبلوني” “فقبلوه صادقاً أو كاذباً” فذلك أدبهم مع الله، قال تعالى {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين} [الأنعام: 55] ولذلك قال “إذ كان محتوماً عليهم واجباً” أي أن يقبلوا كل من جاءهم ثم بيّن بماذا يأمرونه ابتداءً فقال: “وحذروه من ركوب الإثم وأمروه باقتباس العلم” لاحظ قضية العلم كبداية “وأمروه بلزوم الطاعة والماء والقبلة والجماعة” “وقرروا فيه شروط التوبة وأمروه بلزوم الصحبة” “ثم أمروه بعلم ظاهرة”، لاحظ قضية العلم “حتى استقامت عنده السرائر”…

إن ركني الطريق كما قلنا علم وذكر، ولا بد من تحديد لقضية العلم ومن تحديد لقضية الذكر، فكل إنسان يطالب من العلم بقدر حاله وبقدر احتياجه، وهو موضوع يختلف باختلاف الناس والبيئات واختلاف العصور، فهناك قضايا يطالب بها كل إنسان، وقضايا يطالب بها إنسان دون إنسان لم يكن الصحابي مثلاً بحاجة إلى أن يتعلم علوم اللغة العربية لأنه يفهمها ويتكلمها على السليقة، ولم يكن بحاجة إلى علم تجويد لأنه يتلقى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن كما أنزل ويؤديه كذلك،

تربيتنا الروحية 4

وكثير من الشبه والبدع وأنواع من الكفريات وزخارفها لا يصادفها جيل ويصادفها جيل آخر، أو لا يصادفها إنسان في مكان ويصادفها إنسان في مكان آخر، وكثير من الأمور يطالب بها جيل ولا يطالب بها جيل آخر،

فمثلاً لا يطالب جيل يعيش في ظل دولة إسلامية بالعمل لإقامة دولة إسلامية ولا بالعلوم اللازمة لذلك، ولكن جيلاً فقد الدولة الإسلامية مثلاً لم يعد يعيش في قطر كلمة الله هي العليا فيه، مثل هذا الجيل بحاجة إلى أن يعرف العلوم اللازمة لإقامة فريضة الله هذه، إن قضية العلم والذكر كركنين في السير إلى الله لا بد أن تفهم فهماً صحيحاً، خاصة في عصرنا الذي غفل الناس فيه كثيراً عن فرائض وضيعوا كثيراً من طاقاتهم في الدفاع عن قضايا ليست من باب السنن، وهي إما من باب المباحات أو من باب البدع، وكل ذلك لا يستأهل أن يقف المسلم المعاصر عنده طويلاً…

إذا اتضح إلى حد ما موضوع العلم والذكر .. أيضا كركنين في السير إلى الله..  فقد آن لنا أن ندخل لب الموضوع بشكل أوسع..  إن لب الموضوع في السير إلى الله .. كذلك هو الوصول إلى القلب السليم،.. ففي الحديث “إن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب” رواه البخاري..  إن صلاح القلب به صلاح النفس.. أيضا وصلاح الجسد وهو صلاح للروح..  إذ في هذه الحالة تكون الروح في وضعها الصحيح،

وهو نقطة البداية في الاستقامة.. أيضا وبهذا الصلاح يكون استعداد الإنسان للتلفي عن الله كاملاً.. كذلك والقدرة على الخلاص من الفتنة متوفرة بإذن الله..  ومن ثم فنقطة البداية الصحيحة لحياة إسلامية كاملة..  هي صلاح القلب وإصلاحه.. أيضا والسير إلى الله في جوهره .. هو هذا السير في القلب نحو صلاحه..  ثم الاستمرار به في حالة الصلاح .. كذلك والقيام بحقوق العبودية الخالصة لله عز وجل حتى الموت.. أيضا وفي هذه الدائرة أغلاط كثيرة يقع فيها السلاّك .. إلى الله عز وجل ستتبين لنا شيئاً فشيئاً.