الشدائد واللجوء إلي الله 3
بقلم: د. أحمد عبد الخالق
ويفاجأ هؤلاء أنهم مع علمهم وقفوا عاجزين أمام قدرة الله تعالى إذا سلب منهم البصر أو السمع أو عطَّل عمل الكبد أو الكليتين أو سلب العقل، أو تعطَّلت وظائف اليدين أو الرجلين أو سلب الله منهم الحياة! فمن يملك أن يعيد إليهم كل ذلك أو بعضه؟ فأي علم وأي قدرة وأي مال وأي سلطان يمكنه أن يعيد إليهم ما سلب؟ لا أحد إلا الله سبحانه وتعالى.. قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قلوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انظُرْ كَيْفَ نصَرِّفُ الآيَاتِ ثمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46)﴾ (الأنعام).
ثم يأتي هذا التحدي الآخر.. ماذا أنتم فاعلون إذا حل عليكم عذاب الله بغتةً أو جهرةً؟ إذا حدثت فيضانات مغرقة، أو براكين مهلكة، أو زلازل مدمرة، أو عواصف مقلقة، أو ثلوج مجمدة؟! ماذا أنتم فاعلون؟! ومن الهالك حقيقة وسط هذا الجو المرعب المخيف؟ إنها نقمة الله التي تحل بالقوم الظالمين، مع أن بعض الصالحين قد ينالهم من هذا الدمار، لكنهم مبتلون به، وهم في النهاية شهداء، أما الظالمون فهم هلكى وفي خسران، لأنهم خسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين..
قال تعالى: ﴿قلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)﴾ (الأنعام)، وإنه لمشهد عجيب، يجسِّم لهم عجزهم أمام بأس الله من جانب، كما يصور لهم حقيقة ما يشركون به من دون الله في موقف الجد من جانب، ولكن هذا المشهد يهزهم من الأعماق.
إن خالق الفطرة البشرية، يعلم أنها تدرك ما في هذا المشهد التصويري من جد، وما وراءه من حق، إنها تدرك أن الله قادر على أن يفعل بها هذا، قادر على أن يأخذ الأسماع والأبصار، وأن يختم على القلوب، فلا تعود هذه الأجهزة تؤدي وظائفها، وأنه إن فعل ذلك فليس هناك من إله غيره يرد بأسه.
الشدائد واللجوء إلي الله 3
وفي ظلال هذا المشهد، الذي يبعث بالرجفة في القلوب والأوصال، ويقرر في الوقت ذاته تفاهة عقيدة الشرك، وضلال اتخاذ الأولياء من دون الله، في ظلال هذا المشهد، يعجب من أمر هؤلاء الذين يصرف لهم الآيات وينوعها، ثم هم يميلون عنها، ﴿انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾.. ﴿قلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)﴾ (الأنعام)، إن عذاب الله يأتي في أية صورة وفي أية حالة، وسواءٌ جاءهم العذاب بغتةً وهم غافلون لا يتوقعونه، أو جاءهم جهرةً وهم صاحون متأهِّبون؛ فإن الهلاك سيحل بالقوم الظالمين أي المشركين،
كغالبية التعبير في القرآن الكريم، وسينالهم دون سواهم، ولن يدفعوه عن أنفسهم، سواءٌ جاءهم بغتةً أو جهرةً، فهم أضعف من أن يدفعوه ولو واجهوه، ولن يدفعه عنهم أحد ممن يتولونهم من الشركاء، فكلهم من عبيد الله الضعفاء، وهو توقع يعرضه السياق عليهم ليتقوه ويتقوا أسبابه قبل أن يجيء، والله سبحانه يعلم أن عرض هذا التوقع في هذا المشهد .. حيث يخاطب الكينونة البشرية خطابًا تعرفه في قراراتها.. وتعرف ما وراءه من حقيقة.. ترجف لها القلوب.
إننا يجب أن نأخذ العبرة من مصارع الظالمين.. وأن نعلم بأن قدرة الله.. كذلك لا تحدها حدود، أو يحول دونها حائل.. وأن الله تعالى صاحب الأمر والنهي.. أيضا وأن قدرات الخلق محدودة.. فيا بني آدم لا يغرنكم علمكم.. ولا سلطانكم ولا جاهكم.. كذلك ولا أحدث ما عندكم من تقنيات.. فإن كل ذلك بيد الجبار.. أيضا إن أذن له عمل.. وإن لم يأذن له بطل.. فالجئوا إلى الله تعالى ولا تركنوا إلى الظالمين.. ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثمَّ لا تنصَرُونَ (113)﴾ (هود).