الشدائد واللجوء إلي الله

الشدائد واللجوء إلي الله 2

وبيَّن أنهم إذا كشف الله عنهم ذلك الكرب رجعوا إلى ما كانوا عليه من الشرك في مواضع كثيرة كقوله: ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ وقوله: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا همْ يشْرِكُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿قلْ اللَّهُ ينَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تشْرِكُونَ (64)﴾ (الأنعام) إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.

وبيَّن سبحانه وتعالى أن رجوعهم للشرك بعد أن نجَّاهم الله من الغرق من شدَّة جهلهم وعماهم، لأنه قادرٌ على أن يهلكهم في البر كقدرته على إهلاكهم في البحر، وقادرٌ على أن يعيدهم في البحر مرةً أخرى ويهلكهم فيه بالغرق؛ فجرأتهم عليه إذا وصلوا البر لا وجه لها؛ لأنها من جهلهم وضلالهم، وذلك في قوله: ﴿أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً (68) أَمْ أَمِنتُمْ أَنْ يعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أخري فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنْ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (69)﴾ (الإسراء).

ويعلِّق على هذه الآية الشهيد سيد قطب فيقول: إنها مواجهة الفطرة بتصور الهول.. عذاب الله في الدنيا عذاب الهلاك والدمار، أو مجيء الساعة على غير انتظار، والفطرة حين تلمس هذه اللمسة وتتصور هذا الهول؛ تدرك ويعلم الله سبحانه أنها تدرك حقيقة هذا التصور وتهتز له؛ لأنه يمثِّل حقيقةً كامنةً فيها يعلم بارئها سبحانه أنها كامنة فيها ويخاطبها بها على سبيل التصور، فتهتز لها وترتجف وتتعرَّى، وهو يسألهم ويطلب إليهم الجواب بالصدق من ألسنتهم، ليكون تعبيرًا عن الصدق في فطرتهم.. ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كنتُمْ صَادِقِينَ (40)﴾ (الأنعام).

ثم يبادر فيقرر الجواب الصادق المطابق لما في فطرتهم بالفعل، ولو لم تنطق به ألسنتهم، ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تشْرِكُونَ (41)﴾ (الأنعام)، بل تدعونه وحده، وتنسون شرككم كله.. إن الهول يعرِّي فطرتكم حينئذٍ، فتتجه بطلب النجاة إلى الله وحده وتنسى أنها أشركت به أحدًا، بل تنسى هذا الشرك ذاته.

الشدائد واللجوء إلي الله 2

إن معرفتها بربها هي الحقيقة المستقرة فيها، فأما هذا الشرك فهو قشرة سطحية طارئة عليها بفعل عوامل أخرى.. قشرة سطحية في الركام الذي ران عليها، فإذا هزَّها الهول تساقط هذا الركام وتطايرت هذه القشرة وتكشَّفت الحقيقة الأصيلة، وتحركت الفطرة حركتها الفطرية نحو بارئها؛ ترجوه أن يكشف عنها الهول الذي لا يد لها به ولا حيلة لها فيه، هذا شأن الفطرة في مواجهة الهول، يواجه السياق القرآني به المشركين.

فأما شأن الله سبحانه فيقرره في ثنايا المواجهة؛ فهو يكشف ما يدعونه إليه إن شاء، فمشيئته طليقة لا يرد عليها قيد، فإذا شاء استجاب لهم، فكشف عنهم ما يدعون كله أو بعضه، وإن شاء لم يستجب وفق تقديره وحكمته وعلمه.. هذا هو موقف الفطرة من الشرك، الذي تزاوله أحيانًا بسبب ما يطرأ عليها من الانحراف.. ذلك نتيجة عوامل شتى تغطي على نصاعة الحقيقة الكامنة فيها.. حقيقة اتجاهها إلى ربها..  ومعرفتها بوحدانيته. (أ هـ).

أيضا ومن التحدي لهؤلاء المشركين .. الذين اغتروا بعلمهم .. ذلك في زمن تزرع فيه الأعضاء البشرية..  والذين ظنوا أنهم قادرون .. على تبديل أجزاء الإنسان..  كلما تلف جزء استبدلوا به جزءًا آخر.. أيضا فظنوا بذلك أنهم .. ليسوا في حاجة إلى الله تعالى..  ما داموا قادرين على ذلك!! .. لكن هؤلاء نسوا..  أو تناسوا..  أن هذه الأعضاء من صنع الله تعالى..  وأن الذي يملك تشغيلها.. ايضا هو خالقها سبحانه وتعالى.