الإيمان يلد الأمل_ 2
د يوسف القرضاوي
ويتجه إليه المكروب يسأله الصبر والرضا، والخلف من كل فائت، والعوض من كل مفقود.
كذلك ويتجه إليه المظلوم آملاً يوماً قريباً ينتصر فيه على ظالمه، فليس بين دعوة المظلوم وبين الله حجاب.
ويتجه إليه المحروم من الأولاد سائلاً أن يرزقه ذرية طيبة.
وكل واحد من هؤلاء آمل في أن يجاب إلى ما طلب.. كذلك ويحقق له ما ارتجى.. فما ذلك على قدرة الله ببعيد.. وما ذلك على الله بعزيز.
طلب إبراهيم الولد وهو شيخ كبير {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} (الصافات:100) فاستجاب الله له وبعث إليه الملائكة، في صورة ضيوف من البشر فقالوا له: {إِنَّا نبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ * قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تبَشِّرُونَ * قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ} (الحجر:53-56).
وقد أثنى على ربه فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء} (إبراهيم:39).
ويعقوب بعد أن طالت غيبة ولده يوسف عنه.. وبعدت مسافة الزمن بينه وبينه.. وكان جديراً أن يفقد الأمل في لقائه.. أيضا ثم فجع بحجز شقيقه من بعده في حادثة صواع الملك.. لكنه مع هذا لم يتسرب إلى فؤاده اليأس.. بل قال:.. {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (يوسف:83).
الإيمان يلد الأمل_ 2
وحين أبدى أسفه على ابنه يوسف قال له أبناؤه: {تَاللَّه تَفْتَأُ تَذْكُرُ يوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (يوسف:85-86)، ثم ألقى إلى أبنائه بحقيقة ما في نفسه من أمل حلو تعززه الثقة بالله أن يجمع شمله بأبنائه فقال: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} (يوسف:87).
{ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} (مريم:2-6)؛ فاستجابت له السماء: {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا} (مريم:7).
{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} (الأنبياء:83-84).
ويونس قد ابتلعه الحوت {فَنَادَى فِي الظلُمَاتِ أَن لّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سبْحَانَكَ إِنِّي كنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ ننجِي الْمُؤْمِنِينَ} (الأنبياء:87-88).
وموسى حين يسري بقومه لينجو بهم من فرعون وجنوده، فيعلمون بسراه ويحشدون الحشود ليدركوه {فَأَتْبَعُوهُم مشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ موسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} (الشعراء:60-61) وأي إدراك أكثر من هذا؟ البحر من أمامهم والعدو من ورائهم!! بيد أن موسى لم يفزع ولم ييأس، بل قال: {كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} (الشعراء:62)، ولم يضيع أمله سدى؛ {فَأَوْحَيْنَا إِلَى موسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ * وَأَنجَيْنَا موسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ * ثمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً…} (الشعراء:63-67).
الهجرة فيها العبرة
ومحمد يلجأ إلى غار ثور في هجرته مع صاحبه الصديق، ويقتفي المشركون آثار قدميه، ويقول قائفهم: لم يعد محمد هذا الموضع.. فإما صعد إلى السماء من هنا، وإما هبط إلى الأرض من هنا.. ويشتد خوف الصديق على صاحب الدعوة وخاتم النبيين ويبكي ويقول: لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فيقول له النبي: “ما ظنك باثنين الله ثالثهما”؟!، وكانت العاقبة ما ذكره القرآن: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ همَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة:40).
كذلك وهذه وقائع عرفها التاريخ .. الذي لا شك فيه.. وربما أنكر الماديون بعضها أو كلها.. ذلك لأنها تخرج على الأسباب المعتادة للناس.. غير أن المؤمنين يوقنون أن الأسباب المعتادة.. أيضا لا تحد قدرة الله المطلقة.. وليس ثباتها واجباً عقلياً لا يقبل الانفكاك.. كما ولو جمد العلماء والمخترعون على ما اعتاده الناس.. وما تعارفوا عليه في عصرهم.. كذلك ما تقدم العلم شبراً ولا فتراً.. وما وصلنا إلى عصر الذرة والفضاء.