مع مرور الزمن، تنسى كثير من السنن النبوية التي كانت جزءًا لا يتجزأ من حياة الصحابة والتابعين. هذه السنن، رغم بساطتها، تحمل من الأجر والخير ما لا يحصى، وقد أُهملت في زحمة الحياة الحديثة. في هذا المقال، نسلط الضوء على بعض السنن المهجورة التي يمكن إحياؤها بسهولة، لتكون عونًا للمسلم في زيادة حسناته وتقوية صلته بالله عز وجل.
من السنن التي قلَّ مَن يحرص عليها: الدعاء للناس بظهر الغيب. وقد وعد الداعي بمثل ما دعا به لغيره، كما في الحديث:
“دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه مَلَك موكَّل، كلما دعا لأخيه قال المَلَك: آمين، ولك بمثل.” (رواه مسلم)
هذه السنة تغرس المحبة، وتطهّر القلب من الحسد، وتربّي على الإيثار.
رغم أن المساجد امتلأت بالمصلين، إلا أن قلّة فقط من ينتظر الصلاة بعد الصلاة، وهي من أعظم القُربات. فقد قيل في الحديث:
“وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط.” (رواه مسلم)
إنها عبادة صامتة، لا تُرى، ولكن تُكتب في ميزان العبد بلا ضجيج.
غالبًا ما يغفَل عن إلقاء السلام على الأطفال، رغم أن النبي ﷺ كان يبدأهم بالسلام. فبذلك تغرس فيهم الثقة والاحترام، وتعلَّم السُّنة عمليًا. إنها لمسة تربوية عظيمة وسنة نبوية في آن واحد.
كثير من الناس لا يكتبون وصيتهم إلا عند المرض أو الكِبَر، بينما نصّ الحديث أن “ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده”.
إن الوصية تذكير بالآخرة، وحرص على أداء الحقوق، ورسالة محبة للأهل.
من السنن المهجورة كذلك: استرضاء الزوجة عند الغضب. كثيرٌ من الأزواج يظنون أن الرجولة في التجهُّم، ولكن نبي الرحمة ﷺ قال:
“خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي.”
الكلمة الطيبة والابتسامة والمبادرة بالصلح كلها من السُّنن التي تبني بها البيوت وتكفّر بها الذنوب.
أصبح التأخير في الحضور إلى الجمعة عادةً عند الكثيرين، في حين أن السبْق إلى الجمعة يعدّل أجره بأجر البدن، ثم البقرة، ثم الكبش، ثم الدجاجة، ثم البيضة، ثم يكتب كأنما جاء ولم يأتِ!
إحياء هذه السنة لا يحتاج إلا ترتيبًا في الوقت ومحبةً للمسجد.
من الجميل أن يعوّد العبد نفسه على الدعاء للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، خاصة في السجود، وبين الأذان والإقامة، وآخر الليل. فالله تعالى يحب من عبده أن يكون رحيمًا بأمته، محبًّا للخير للناس كافة.
ما إن يقع العبد في ذنب، حتى يشرع له أن يبادر إلى ركعتين توبة بنية صادقة، فقد قال النبي ﷺ:
“ما من عبد يذنب ذنبًا ثم يتوضأ ويحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر له.” (رواه أبو داود)
سجدة الشكر تغفل كثيرًا رغم سهولتها. فمتى بشّر العبد بخير أو نجا من مصيبة، سجِد لله شكرًا، دون حاجة لوضوء أو استقبال قبلة.
وكم من نعم تمرّ دون أن نعطيها قدرها… وسجدة واحدة كفيلة أن تظهر الشكر وتحفظ النعمة.
السنن ليست مجرّد أعمال نافلة، بل هي طريق لتزكية النفس وتقوية الصلة بالله، ومظهر من مظاهر اتباع النبي ﷺ. وإحياؤها في هذا الزمان الغافل يُعدّ من أعظم القربات. فلنُحيِها في أنفسنا وبيوتنا ومجتمعاتنا، ولنجعلها عادة لا تُنسى.
You must be logged in to post a review.
لا توجد توصيات بعد.