من أهم الأمور التي يغفل عنها الناس محاسبة النفس، فقلَّما تجد من يحاسب نفسه قبل أن يحاسَب، فينظر إلى ما عمل من خيرٍ وكذا إلى ما عمل من شرٍّ، فيتوب ويستغفر ويجدِّد علاقته مع الله، فالإنسان لا تخلو أفعالُه من خطأ، فكل ابن آدم خطَّاء، وخيرُ الخطآئين التوابون، والعبد مطالب أن يحاسب نفسه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (الحشر: من الآية 18)، فأمر سبحانه العبدَ أنْ ينظر ما قدَّمَ لِغد، وذلك لا يتحقق إلا بمحاسبة نفسه على ذلك، والنظر في جلِّ أعماله وأقواله، صغيرها وكبيرها، متسائلاً: هل تصلُح أعمالي هذه للقاء الله أو لا تصلح؟!
الحساب والمحاسبة في الآخرة
قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيرَوْا أَعْمَالَهُمْ* فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ (الزلزلة: 6- 8)، وقال: ﴿وَنَضَعُ المَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء: 47)، وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ محْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (آل عمران: من الآية 30)، وقال: ﴿وَوضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ولاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف: 49).
عالجت هذه الآيات مسألة الحساب في الآخرة؛ لذا فإنه مما يجب أن ننتبَّه له أن نداوم على محاسبة النفس في الدنيا قبل أن نحاسب في الآخرة، ففي ذلك خير كثير، من تصحيح للمسار، وردٍّ للحقوق، واستعداد ليوم الفزع الأكبر، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
محاسبة النفس
ومحاسبة النفس في الدنيا تحقِّق للعبد صدْقَ مراقبته لنفسه وكبْح جماح الشهوات، وتبعث النفس على الاطمئنان، وتوطِّد علاقة العبد بخالقه، فيحسن الظن بالله ويكتسب العبد بها فضائل جمَّة، كالرجوع عن الخطأ، وانتفاء مثالب الكبر والتكبر، واكتساب فضائل التواضع، فَمَنْ حاسب نفسَه في الدُّنيا خفَّ حسابُه في الآخرة وحَسُنَ منقلبُه.
قال الحسن: “لا تَلْقى المؤمِنَ إلاَّ يحَاسِبُ نفسَهُ: ماذا أرَدْتِ تَعملينَ؟ وماذا أرَدْتِ تَأْكُلينَ؟ وماذا أرَدْتِ تَشْربِينَ؟ والفاجِرُ يَمْضي قدُمًا قدُمًا لا يحاسِبُ نفْسَهُ”، وقالَ الحسنُ: “إنَّ العبدَ لا يزالُ بخيرٍ مَا كانَ لهُ واعِظٌ مِن نفسِهِ، وكانتِ المحاسبةُ مِن همَّتِهِ”، وقالَ عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه: “حاسِبُوا أنْفُسَكُم قبلَ أنْ تحَاسَبُوا، وزِنُوا أنْفُسَكُم قبلَ أَنْ توزَنوا؛ فإِنَّهُ أهونُ عليكُم في الحسابِ غدًا أنْ تحاسِبوا أنْفُسَكُمُ اليومَ، وتزَيَّنُوا للعَرْضِ الأكْبَرِ”.
كيف يحاسب العبد نفسه؟
كما أن يجلس مع نفسه.. أيضا جِلسةَ صدقٍ.. ويتحدث مع ذاته حديثَ صدْقٍ.. كذلك فيضع يده على مواطن الزلل وأعمال الخلل .. التي اقترفها أو فكَّر في إتيانها.. فيبحث عن العِلَّة من ذلك.. أيضا فيعالج الأخطاء، ويعود إلى الصواب.. فإن كان في أعماله مما فيه ظلمٌ لبشرٍ.. كذلك فليسارِع في التوبة والاستغفار.. ولا تتم التوبة إلا بإرجاع الحقوق كاملةً إلى أصحابها.. وأما إذا كان الزلل والخطأ .. أيضا مما بين العبد وربه .. تاب من ذلك واستغفر وعمل صالحًا .. كذلك ليجبَّ ما فعل من زلل ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثمَّ اهْتَدَى﴾ (طه: 82).