في السير إلي الله
بقلم: سعيد حوي
إني أريد أن أرجع في التصوف إلى أصوله الصحيحة ليكون زاداً للجميع، ثم لكل إنسان سقفه وفهمه، وقد خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه بمعانٍ، ولكنها ليست من قبيل التكليف العام للأمة، ثم إن تفسير هذه المعاني معروف، فلا يجوز لأحد أن يحملها على ما ينقض الشريعة،
لقد خصّ حذيفة رضي الله عنه بتعريفه على المنافقين، وسر ذلك واضح، وهو أن يوجد في جيل الصحابة من يضع الأمور في مواضعها، إذا أصبح لواحد من المنافقين وضع ما يمكن أن يؤثر على المجتمع الإسلامي، وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: “أخذت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين، جراباً بثثته بينكم، وجراباً لو ذكرته لقطع مني هذا الحلقوم” رواه البخاري.
والجراب الثاني لمح عنه أبو هريرة عندما كان يقول: أعوذ بالله أن تدركني سنة وإمرة الصبيان. وقد يتبين بعد ذلك أنه يعني إمرة يزيد بن معاوية. وإذن فالأمر مرتبط بقضية أحداث سياسية معينة ستجري على هذه الأمة، لأنه لو تكلم بها لقتل بسبب ما سيتركه كلامه من آثار، ثم لو كان ما عند أبي هريرة مما كلفت به الأمة لأظهره،
ثم لا يصلح كلامه متكئاً لأي إنسان يدّعي أن هذا الذي خص به هو من نوع من كذا وكذا مما لا يتفق مع أصل شرعي، إذ في هذه الحالة يستطيع كل مدّعٍ وكل عدو للإسلام وكل زنديق: وكل باطني أن يدّعي أن ما هو فيه وما يدعو إليه هو من مثل هذا الجراب: هذا كلام ساقط لا تقوم به حجة. ليس هناك في الإسلام ظاهر ينقض باطناً، ولا باطن ينقض ظاهراً.
في السير إلي الله 2
ومن ادعى ذلك فإنه كافر بإجماع المسلمين ((قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنِ وسبحان الله وما أنا من المشركين)) [يوسف: 109] “وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها سواء” رواه ابن ماجة. بحجة الأسرار صار لكل قضية رموزها، وبحجة معرفة أسرار الذات الإلهية، طرح بعضهم قضية وحدة الوجود، حتى أصبح المسلم عند هؤلاء إذا لم يقل بها لا يكون عارفاً بالله.
ونجد بعضهم يراوغ في هذا الشأن، فإن جاءه متشرع فسّرها له بشكل وإن جاءه مستسلم فسّرها له بشكل آخر، ونحن لا نحاسب الناس على نياتهم ولكن نحاسبهم على أقوالهم. قال بعض الصوفية:
وما الكون في التمثال إلا كثلجة
وأنت لها الماء الذي هو نابع
فما الثلج في تمثالنا غير مائه
وغيران في حكم قضته الشرائع
ماذا يفهم الفاهم من هذين البيتين سوى أن هذا الكون هو الذات الإلهية بعينها ولكنها تكثفت فصارت كوناً، كالماء تكثف فصار ثلجاً، فالشرائع تقول إن الثلج غير الماء أي أن الكون غير المكوِّن، ولكن صاحب هذا القول يقول: إن الثلج هو الماء وبالتالي الكون هو الله أو هو جزء من الذات الإلهية تكثف.
وعبّر بعضهم عن هذا الموضوع بالمثال التالي: إن هذا الكون بالنسبة للذات الإلهية كله كموج البحر فلا هو عين البحر وليس غيره. ونقول: إن موج البحر هو جزء من البحر. لهؤلاء نقول: أفهمونا قوله تعالى ((وجعلوا له من عباده جزءاً، إن الإنسان لكفور مبين)) [الزخرف: 15] ما المراد بهذا؟ أليست هذه الآية واضحة في الإنكار على من جعل لله تعالى جزءاً وأن من جعل ذلك كافر بيِّن الكفر… فهل الاسرار المدعاة في التصوف نتيجتها أن نضل كما ضلت أمم سابقة؟ نعوذ بالله من ذلك.
في السير إلي الله 2
نحن نعلم أن هناك حالات للسالك يحسّ فيها بأحدية الذات الإلهية، ويستشعر فيها اسم الله الصمد، وهي حالة يستشعر فيها السالك فناء كل شيء. ولكن هذا الشعور لا بد أن يرافقه الاعتقاد بأن الله خالق، وأن هناك مخلوقاً وأن الخالق غير المخلوق.
إن التصوف هو تذوق العقيدة لا تقريرها بما يخالف النصوص والفهم الصحيح لها. ولا يفوتنا ههنا أن نقول إن هناك ناساً يؤولون مثل هذا الكلام الذي ذكرناه تأويلات يتفق ظاهرها مع شرع الله،
وقد سمعنا بعض شيوخنا يحمل البيتين على محمل مقبول شرعاً، أمثال هؤلاء الناس نحاسبهم على أقوالهم ونكل نياتهم إلى الله عز وجل، فإذا كانت أقوالهم في هذا الشأن كاعتقادهم فيه فنرجو لهم السلامة، وإلا فنصوص الكتاب ظاهرة في الحكم عليهم… إن التصوف علم يحتاجه كل الناس ويسع كل الناس،
وقد يدق فهم بعض السالكين لبعض النصوص، وقد يفهم بعض السالكين إلى الله من معاني النصوص ما لا يشعر به الآخرون، وكل ذلك لا غبار عليه إذا لم ينقض نصاً أو يخالف نصاً إو إجماعاً، غير أنا نرى كثيراً من الكلام عند طبقات من الصوفية لا نرى له مثيلاً.. كذلك في عصر الصحابة.. ولا في عصر التابعين.. ولا في عصر تابعي التابعين.. كما يخالف النصوص ويخالف الاجماع.
ثم بعد ذلك .. يقدّم التصوف للأمة.. أيضا على أنه هو هذا.. كما يريد أصحابه هؤلاء من الأمة.. أن تسلم لهم بذلك.. كذلك ومن لم يسلم يا ويله.. من الألسنة الحداد والقلوب المنكرة… لهؤلاء نقول: .. على رسلكم.. إن الله حد حدوداً وأنزل شرائع ونصوصاً.. أيضا هي الفيصل بين الحق والباطل.. كذلك وهي وحدها الحكم والميزان.. وما سوى ذلك ضلال وأوهام…