في السير إلى الله

في السير إلى الله

بقلم سعيد حوي

ماذا يعني؟ ما هي أركانه؟ ما هي نقطة البداية فيه؟

السير إلى الله يعني الانتقال من نفس غير مزكاة إلى نفس مزكاة، ومن عقل غير شرعي إلى عقل شرعي، ومن قلب كافر أو منافق أو فاسق أو مريض أو قاسٍ إلى قلب مطمئن سليم، ومن روح شاردة عن باب الله غير متذكرة لعبوديتها وغير متحققة بهذه العبودية، إلى روح عارفة بالله قائمة بحقوق العبودية له، ومن جسد غير منضبط بضوابط الشرع، إلى جسم منضبط انضباطاً كاملاً بشريعة الله عز وجل، وبالجملة من ذات أقل كمالاً، إلى ذات أكثر كمالاً في صلاحها وفي اقتدائها برسول الله صلى الله عليه وسلم، قولاً وفعلاً وحالاً.

هذا كله داخل في عباراتهم في تعريف السير إلى الله، وهو في مجمله كله سير إلى الله عز وجل. وبعضهم يقصر السير إلى الله على حالة وحيدة، وهي حالة الانتقال من الإيمان العقلي إلى الإيمان الذوقي، ومن حالة الشعور القلبي بأفعال الله، إلى الشعور بصفاته إلى الاستغراق الروحي، أو ما يسمى عندهم بمقام الفناء ثم مقام البقاء، ولكن هذا في الحقيقة أحد مظاهر السير وواحد من أجزائه ومرحلة فيه.

وما أكثر الأغلاط التي ترافق هذا الموضوع عند الكثير من الناس، وما أكثر الأوهام التي تصيب تصورات الناس في هذا الشأن. وما أكثر ما يختلط الجوهر بالعرض والحقيقة بالخطأ في هذا الموضوع، ولذلك كان الكلام في هذا الموضوع صعباً ومحيراً، وتقريبه وتبسيطه أمراً فيه مشقة كبيرة، فكثيراً ما تصبح الوسائل غايات والبدايات نهايات، وما هو كالمقدمة لما بعده يصبح وكأنه كل شيء،

في السير إلى الله

ولنضرب على ذلك مثلاً: بعضهم يعتبر الوصول إلى القلب السليم المطمئن هو ذروة السير إلى الله، ويعتبرون ذلك غاية الغايات وينسون واجبات كثيرة. إن الوصول إلى القلب السليم هدف، ولكن القلب السليم هو الذي أصبح يتلقى أوامر الله بمنتهى التسليم والرضى، ويسير الجسم به على حسب أوامر الله بكامل القوة والحيوية والجدية، ومن أوامر الله الأمر بالجهاد وجعل كلمة الله هي العليا…

فأن ترى صوفياً مشغولاً بقضية القلب السليم طوال حياته، وهو ناسٍ أوامر الله بإعلاء كلمته، وغافل عن واجبات الوقت الكثيرة، ويعتبر ما هو فيه هو الكمال، مع تفريطه بكثير من الواجبات… مثل ذلك غلط كبير، إن لم نقل أكثر من ذلك، إن الفارق بين صاحب القلب السليم وغيره، كما يكون في جوهر القلب يكون في صلاح العمل، وقوة الأخذ بكتاب الله وأحكامه، وقديماً كان ادّعاء المعرفة بالله عاملاً من عوامل الفرار من الورع… فأي معرفة هذه تلك التي ينطفي بها مع الإنسان نور ورعه؟ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرف الخلق بالله، كان أكثر خلق الله خشية ومن ثم قال عليه السلام “إني لأتقاكم لله وأكثركم له خشية” (متفق عليه).

إن الكلام عن السير إلى الله ليس سهلاً

أولاً: لأنه لا يمكن حصره وضبطه..  وثانياً: لأن الناس في هذا الشأن أصناف.. كذلك ولكل مشربه الذي ألفه وحصر فيه.. أيضا ما لا يدخل تحت حصر.. كما وينظر إلى الأمور كلها بمنظاره الخاص به .. ويحاسبك على ذلك..  وهذا كذلك مظهر من مظاهر الغلط في هذا الشأن.. أيضا ومن العجيب أنك تجد..  عند كثير من الناس القاعدة المسلمة.. كذلك والعمل المخالف..  فمثلاً من عبارات الصوفية المشهورة .. على لسان كل واحد منهم..  “لله طرائق على عدد الخلائق”

طرق الوصول إلي الله

وهي عبارة واضحة المعنى، تشير إلى أن طرق الوصول إلى الله كثيرة جداً، ولكنك تجد الكثيرين يربطون بين الوصول وبين معانٍ بعينها، هذه المعاني قد لا يستطيعون إقامة الدليل على اعتمادها في السنة الثابتة أصلاً، فكيف يعلق أمر الوصول إلى الله، وهو من أهم الأمور الشرعية على الإطلاق، بقضايا لم تكن النصوص فيها واضحة وضوحاً كاملاً تدل على مفاهيم بعض من هؤلاء للأمور الآنفة الذكر، أجدني مضطراً لعرض قضية السير إلى الله عز وجل مرة ومرة ومرة بشكل ثم بآخر ليتضح الأمر في هذا الشأن، وليتجنب المسلم الأغاليط، وأهم من هذا كله ليأخذ حظه من السير إلى الله على بصيرة.

إن كثيرين من الناس ربطوا بين التصوف والألغاز وجعلوه مليئاً بالأسرار، فضخموا وأوهموا حتى أصبح التصوف علماً على الشيء الذي لا يمكن فهمة أصلاً، وجعلوا التصوف شيئاً خاصاً بطبقة من الناس، وهو في أصله ومضمونه مطالب به كل الناس، فهل كان واحد من الصحابة إلا وله سيره الخالص إلى الله عز وجل وهل الصحابة إلا قدوة الخلق في كل شيء؟

أيضا ولماذا الدعاوى والتبجحات؟ .. هذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه..  وهو الذي تمر عليه أكثر الطرق الصوفية.. أيضا على شك في ذلك..  عندما سأله بعضهم: .. هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ .. حيث قال: لا، إلا فهماً أوتيه عبد من كتاب الله..  وما في هذه الصحيفة..  ولم يكن في الصحيفة.. كذلك إلا بعض الأحكام الشرعية..  هذا هو الأمر: الإنسان كلما صفا حاله مع الله.. حيث دقّ فهمه عن الله .. كذلك وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم.