الفتن وفقه التعامل معها2
خطورة الفتن
للفتن خطر جسيم، وهول عظيم، نسأل الله تعالى المعافاة منها، ولذلك حذر منها الرسول في غير ما حديث، لأنه إنما بعث بشيراً ونذيراً فقال عليه الصلاة والسلام “يكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، يمسي مؤمناً ويصبح كافراً يَبيع أقوامٌ دينَهم بعرضٍ من الدنيا” (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح). فتبين لنا من هذا الحديث بأن أعظم خطر للفتن وشدتها هي إخراج المسلم عن دينه، وهذا هو البلاء المستطير، والشر الكبير، ولاحول ولا قوة إلا بالله.
ومما يبيِّن لنا ثقل الفتن وشدتها على المؤمنين قوله “لاتقوم الساعة، حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني كنت مكانه” (رواه الشيخان). وفي رواية “ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر وليس به الدَّين إلا البلاء”فهذا في الفتن العامة، إلا أن الفتن إلخاصة قد توقع المرء في مثل هذا المصير المرير، فكم سمعنا عن أناس ارتدوا عن دينهم ووقعوا في نواقض الإسلام بسبب سعيهم غير المشروع في الحصول على الكسب والرزق فاستحلوا الربا مثلاً، أو دعوا غير الله تعالى فأشركوا بذلك عندما التجأوا لغير الله تعالى في الشدائد طالبين المعونة والمدد من المقبورين أو الأولياء والصالحين، أو خافوا من المخلوقين مثل خوفهم من الله تعالى أو أعظم أن يصيبوهم بضر وشر، فقربوا لهم القرابين وغيرها من العبادات التي لايجوز أن تُصرف إلا للواحد القهار الذي لا معبود بحقٍ إلا هو سبحانه وتعالى.
الفتن وفقه التعامل معها2
كما وتجدر الإشارة في هذا المقام.. أيضا إلى أن ظهور الشرك في هذه الأمة مما تنبأ به الرسول وأخبر به.. فقال: “إذا وضع السيف في أمتي.. لم يرفع عنها إلى يوم القيامة ولا تقوم الساعة .. حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين.. وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان” .. (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح).. كذلك ومظاهر الشرك كثيرة.. فليست محصورة في دعاء غير الله أو عبادة الأحجار والأشجار والقبور.. بل تتعدى ذلك.. إلى اتخاذ الطواغيت أنداداً مع الله تعالى.. حيث يشرعون للناس من عند أنفسهم.. أيضا ويلزمون الناس بالتحاكم إلى شريعتهم.. كذلك فينصبون آلهتهم آلهة مع الله تعالى، فالله المستعان.
بؤرة الفتن
أخبرنا الرسول بالجهة التي تهب منها ريح الفتن على الديار الإسلامية، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله:”الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان” (رواه الشيخان) وقال: “اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا قال يارسول الله: وفي نجدنا! فأظنه قالها في الثالثة: هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان” (البخاري عن ابن عمر أيضاً).
وأصل النجد: ما ارتفع من الأرض، قال إلخطابي: نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها، وهي مشرق أهل المدينة، قال د. عمر الأشقر: ولا شك أن العراق في جهة المشرق، وأنها تعد بالنسبة للمدينة نجد، وهذا ما فقهه سالم بن عبدالله بن عمر، فعندما كان أهل العراق يرتكبون العـظائم ويسألون عن توافه الأمور. قال لهم سالم: يا أهل العراق ما أَسْأَلََكم عن الصغيرة (ما أكثر ما تسألون) وأَرْكَبَكُم للكبيرة، سمعت أبي يقول سمعت رسول الله يقول: “إن الفتنة تجيء من هاهنا ـ أومأ بيده نحو المشرق ـ من حيث يطلع قرن الشيطان”(رواه مسلم).
ومن استقرأ التاريخ علم أن الفتن .. أيضا كانت تهب على الأمة الإسلامية من جهة المشرق.. فمنها ثارت الفتنة.. التي أدت إلى مقتل عثمان رضي الله عنه.. ومنها خرجت فرقة الحرورية المارقة (الخوارج).. وبقيت ريح إلخوارج تعصف بالأمة في العهد الأموي.. ومنها خرجت ثورة الزنج (عبيد أهل البصرة).. أيضا ومنها خرجت حركة القرامطة عام 278.. ومن الشرق عصفت ريح التتار .. كذلك ويخرج الدجَّال من المشرق من نواحي خراسان.. كما أخبر بذلك المعصوم (ص).