الثبات طريق رجال الدعوة

الثبات طريق رجال الدعوة4

الوسائل المعينة على الثبات

أولاً: الإقبال على القرآن:

القرآن العظيم وسيلة التثبيت الأولى وهو حبل الله المتين، والنور المبين، من تمسك به عصمه الله ومن اتبعه أنجاه الله، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم.

نص الله على أن وظيفة هذا الكتاب والغاية التي من أجلها أنزله منجّمًا مفصلاً هي التثبيت، فقال- تعالى- في معرض الرد على شُبه الكفار: ﴿وقَالَ الَذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ورَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً (32) ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [الفرقان:32،33].

ثانيًا: التقرب من الله والإكثار من العمل الصالح:

قال الله- تعالى-: ﴿يثَبِّتُ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وفِي الآخِرَةِ ويضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (إبراهيم: 27).

قال قتادة: أما ﴿فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فيثبتهم بالخير والعمل الصالح ﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ في القبر.

كذا روي عن غير واحد من السلف. وقال سبحانه: ﴿ولوْ أَنهمْ فعلوا مَا يوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ (النساء: 166)، أي على الحق.

وهذا بيّن، وإلا فهل نتوقع ثباتًًا من الكسالى القاعدين عن الأعمال الصالحة إذا أطلت الفتنة برأسها وادلهمّ الخطب؟ ولكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم الله إليه صراطًا مستقيمًا ويثبتهم بما ثبتوا به أنفسهم في الدنيا.

الثبات طريق رجال الدعوة4

ثالثًا: تدبر قصص الأنبياء ودراستها للتأسي والعمل:

والدليل على ذلك قوله- تعالى-: ﴿وكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنباءِ الرُّسلِ مَا نثَبِّتُ بِهِ فؤَادَكَ وجَاءَكَ فِي هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [ هود:120].

فما نزلت تلك الآيات على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- للتسلية والتفكه، وإنما لغرض عظيم هو تثبيت فؤاد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأفئدة المؤمنين معه.

فلو تأملت قول الله عز وجل: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إن كنتُمْ فَاعِلِينَ (68) قلْنَا يَا نَارُ كونِي بَرْداً وسلاماً عَلَى إبْرَاهِيمَ (69) وأَرَادُوا بِهِ كَيداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء:68 -70]، قال ابن عباس: “كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: “حسبي الله ونعم الوكيل” وهنا نشعر بمعنى من معاني الثبات أمام الطغيان والعذاب يدخل النفس ونحن نتأمل هذه القصة، وما تبع هذا الثبات من معية الله سبحانه وتعالى لأوليائه.

وفي قول الله عز وجل في قصة موسى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الجَمعَانِ قَالَ أَصْحَابُ موسَى إنَّا لَمُدْرَكُونَ. قَالَ كَلاَّ إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (الشعراء:61،62)، نحس بمعنى آخر من معاني الثبات عند ملاحقة الظالمين، والثبات في لحظات الشدة وسط صرخات اليائسين، ولكنها ثقة المؤمن وثباته في الأوقات العصيبة.

كما في قصة سحرة فرعون نرى المثل العجيب للثلة التي تثبت على الحق بعدما تبين، ألا ترى أن معنى عظيمًا من معاني الثبات يستقر في النفس أمام تهديدات الظالم وهو يقول: ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ ولأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جذُوعِ النَّخْلِ ولَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وأَبْقَى﴾ (طه: 71).

ثبات القلة المؤمنة الذي لا يشوبه أدنى تراجع وهم يقولون: ﴿قَالُوا لَن نؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ البَيِّنَاتِ والَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (طه: 72).

وهكذا قصة المؤمن .. أيضا في سورة يس ومؤمن آل فرعون .. كذلك وأصحاب الأخدود .. وغيرها يكاد الثبات يكون أعظم دروسها قاطبة.

رابعًا: الدعاء:

من صفات المؤمنين أنهم يتوجهون إلى الله بالدعاء أن يثبتهم: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران:8]، ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [البقرة:250].

ولقد كان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم.. أيضا يكثر أن من قول:..  “يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك”

خامسًا: ذكر الله:

وهو من أعظم أسباب التثبيت وتأمل هذا الاقتران بين الأمرين في قوله- عز وجل-: ﴿يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأنفال:45] فجعله الله من أعظم ما يعين على الثبات في الجهاد.

كما يقول الشهيد سيد قطب: .. وأما ذكر الله كثيرًا عند لقاء الأعداء فهو التوجيه الدائم للمؤمن..  كما أنه التعليم المطرد..  الذي استقر في قلوب العصبة المؤمنة.. كذلك وحكاه عنها القرآن الكريم في تاريخ الأمة المسلمة .. كما في موكب الإيمان التاريخي..  ومما حكاه القرآن الكريم .. أيضا من قول سحرة فرعون..  عندما استسلمت قلوبهم للإيمان فجأة..  فواجههم فرعون بالتهديد المروع البشع الطاغي.. حيث قولهم: وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا..  ربنا أفرغ علينا صبرًا وتوفنا مسلمين..