الثبات طريق رجال الدعوة

الثبات طريق رجال الدعوة3

كما يقول الشهيد سيد قطب: كذلك تنتهي رواية الحادث وقد ملأت القلب بالروعة. روعة الإيمان المستعلي على الفتنة، والعقيدة المنتصرة على الحياة، والانطلاق المتجرد من أوهاق الجسم وجاذبية الأرض. فقد كان في مكنة المؤمنين أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم. ولكن كم كانوا يخسرون هم أنفسهم في الدنيا قبل الآخرة؟ وكم كانت البشرية كلها تخسر؟ كم كانوا يخسرون وهم يقتلون هذا المعنى الكبير: معنى زهادة الحياة بلا عقيدة، وبشاعتها بلا حرية، وانحطاطها حين يسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد! إنه معنى كريم جدًّا ومعنى كبير جدًّا هذا الذي ربحوه وهم بعد في الأرض. ربحوه وهم يجدون مس النار فتحترق أجسادهم، وينتصر هذا المعنى الكريم الذي تزكيه النار؟ وبعد ذلك لهم عند ربهم حساب، ولأعدائهم الطاغين حساب.. يعقب به السياق..

أيضا بهذه الخاتمة يستقر الأمر في نصابه.. كذلك وهي الخاتمة الحقيقية للموقف..  فلم يكن ما وقع منه في الأرض إلا طرفًا من أطرافه، لا يتم به تمامه..  أيضا وهذه هي الحقيقة التي يهدف إليها .. هذا التعقيب الأول على الحادث.. ذلك لتستقر في قلوب القلة المؤمنة في مكة..  وفي قلوب كل فئة مؤمنة.. أيضا تتعرض للفتنة على مدار القرون.

كذلك وروى البخاري عن خباب- رضي الله عنه- قال: شكونا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو متوسد بردة في ظل الكعبة. فقال- عليه السلام-: “قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها فيؤتى بالمنشار، فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد، ما دون لحمه وعظمه، ما يبعده عن دينه…”.

الثبات طريق رجال الدعوة3

وعن مراحل ثبات القلوب وزيغها أمام الفتن: يقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: “تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشربها نكتت في قلبه نكتةً سوداءَ، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتةً بيضاءَ، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا؛ لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مُربَّدًا كالكوز مجَخِّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه” رواه أحمد ومسلم عن حذيفة مرفوعًا.

ثانيًا: الثبات في الجهاد:

﴿يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ (الأنفال: 45).

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) وَلَقَدْ كنْتُمْ تَتَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143)﴾ (آل عمران)

إن صيغة السؤال الاستنكارية يقصد بها التنبيه بشدة إلى خطأ هذا التصور: تصور أنه يكفي الإنسان أن يقولها كلمة باللسان: أسلمت وأنا على استعداد للموت. فيبلغ بهذه الكلمة أن يؤدي تكاليف الإيمان، وأن ينتهي إلى الجنة والرضوان!

إنما هي التجربة الواقعية، والامتحان العملي. وإنما هو الجهاد وملاقاة البلاء، ثم الصبر على تكاليف الجهاد، وعلى معاناة البلاء.

الثبات طريق رجال الدعوة3

ثالثًا: الثبات على المنهج:

﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ ومِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ومَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب:23 )، مبادئهم أغلى من أرواحهم، إصرار لا يعرف التنازل.. لا لشيء إلا لأنهم عندما بايعوا على المنهج كانوا يبايعون الله وكانت يد الله فوق أيديهم، وكانوا على ثقة تامة بسلامة المنهج وصحته واستعدادهم للبذل والتضحية من أجلة ومن ثم الثبات عليه ابتغاء الأجر والمثوبة من الله سبحانه.

رابعًا: الثبات عند الممات:

﴿إنَّ الَذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا ولا تَحْزَنُوا وأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾، والثبات في هذا الموقف لن يتم إلا بجهد جهيد وعمل دؤوب متواصل وإخلاص وتجرد تامين لله ليتم التثبيت عند الممات.

خامسًا: الثبات عند علو الأعداء:

فقد يصاب الإنسان بحالة من اليأس والقنوط عند ارتفاع شأن الأعداء وعلو راياتهم، ولكن المسلم الواثق بنصر الله والواعي لدينه العامل له بإخلاص وتجرد يعي تمامًا أن الحرب جولات وأن النصر للمؤمنين حين يستوفون موجباته وأن علو الباطل وأعوانه ما هو إلا لوقت محدود وأن العاقبة لمن اتقى.

يقول الشهيد سيد قطب: تتبدل الأحوال .. ويقف المسلم موقف المغلوب..  المجرد من القوة المادية.. كذلك فلا يفارقه شعوره بأنه الأعلى .. كما وينظر إلى غالبه من علٍ .. ما دام مؤمنًا..  ويستيقن أنها فترة وتمضي.. أيضا وإن للإيمان كرهًا لا مفر منها..  وهبها كانت القاضية؛ فإنه لا يحني لها رأسًا.

إن الناس كلهم يموتون أما هو فيستشهد. وهو يغادر هذه الأرض إلى الجنة، وغالبه يغادرها إلى النار.. وشتان شتان، وهو يسمع نداء ربه الكريم ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ (198)﴾ (آل عمران).