الآجال في ضوء الإيمان بالقدر

أساس التمكين وشرطه الأول2

إن الإيمان الحقيقي يجعل من أتباعه أخوة متحابين يعملون على رضا مولاهم العظيم، قال تعالى: ” وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ” [آل عمران:103].

إن الفهم الصحيح لحقيقة الإيمان وكلمة التوحيد لها آثار في حياة الإنسان، وتلك الآثار لها أثر في التمكين، فمن أهم هذه الآثار:

1- ما تنشئه في النفس من الأنفة وعزة النفس بحيث لا يقوم دونه شيء لأنه لا نافع إلا الله، وهو المحيي والمميت، وهو صاحب الحكم والسلطة والسيادة. ومن ثم ينزع من القلب كل خوف إلا منه سبحانه، فلا يطاطئ الرأس أمام أحد من الخلق، ولا يتضرع إليه، ولا يتكفف له، ولا يرتع من كبريائه وعظمته، لأن الله هو العظيم القادر، وهذا بخلاف المشرك والكافر.

2- ينشأ من الإيمان بهذه الكلمة من أنفة النفس وعزتها: تواضع من غير ذل، وترفع من غير كبر، فلا يكاد ينفخ أوداجه شيطان الغرور ويزهيه بقوته وكفاءته لأنه يعلم ويستيقن أن الله الذي وهبه كل ما عنده قادر على سلبه إياه إذا شاء، أما الملحد فإنه يتكبر ويبطر إذا حصلت له نعمة عاجلة.

3- المؤمن بهذه الكلمة: يعلم علم اليقين أنه لا سبيل إلى النجاة والفلاح إلا بتزكية النفس والعمل الصالح.

4- من آثار الإيمان الصحيح عدم تسرب اليأس، والبعد عن القنوط، لأنه يؤمن أن الملك والخزائن لله رب العالمين، لذلك فهو على طمأنينة وسكينة، وأمل، حتى ولو طرد العبد أو أهين وضاقت عليه سبل العيش.

5- من آثار كلمة الإيمان والتوحيد في نفس العبد إعطاء قوة عظيمة من العزم والإقدام والصبر والثبات والتوكل والتطلع إلى معالي الأمور ابتغاء مرضاة الله تعالى، مع شعوره أن وراءه قوة مالك السماء والأرض، فيكون ثباته ورسوخه وصلابته التي يستمدها من هذا التصور، كالجبال الراسية، وأنى للكفر والشرك بمثل هذه القوة والثبات؟.

أساس التمكين وشرطه الأول2

امن آثار الإيمان الحقيقي تشجيع الإنسان وامتلاء قلبه جرأة؛ لأن الذي يجبن الإنسان ويوهن عزمه شيئان: حبه للنفس والمال والأهل، أو اعتقاده أن هناك أحدًا غير الله يميت الإنسان، فإيمان المرء بلا إله إلا الله يرفع عن قبله كلاً من هذين السببين، فيجعله موقنًا بأن الله هو المالك الوحيد لنفسه وماله، فعندئذ يضحي في سبيل مرضاة ربه بكل غال ورخيص عنده.

وينزع الثاني بأن  يلقي في روعه أنه لا يقدر على سلب الحياة منه إنسان ولا حيوان ولا قنبلة ولا مدفع، ولا سيف ولا حجر، وإنما يقدر ذلك الله وحده. من أجل ذلك لا يكون في الدنيا أشجع ولا أجرأ ممن يؤمن بالله تعالى، فلا يكاد يخيفه .. أو يثبت في وجهه زحف الجيوش، ولا السيوف المسلولة..  ولا مطر الرصاص والقنابل.

7- ومن ثمار الإيمان الصحيح، التحلي بالأخلاق الرفيعة والتطهر من الأخلاق الوضيعة.

8- ومن ثمار الإيمان على العبد.. كذلك تجعله حريصًا على التمسك .. بشرع الله تعالى ومحافظًا عليه.

9- ومن ثمار الإيمان.. أيضا تربية العبد .. على أن يكون جنديًا .. من جنود الدعوة .. التي تسعى لتحكيم شرع الله .. وتمكين دينه سبحانه وتعالى.

إن من شروط التمكين.. أيضا لدين الله تعالى في الأرض..  تحقيق الإيمان .. الذي يريده الله .. كما وبيَّنه رسوله صلى الله عليه وسلم .. كذلك وتجسد في حياة أصحابه.

إن الإيمان المطلوب .. أيضا هو الذي يبعثنا على الحركة والهمة.. كذلك والنشاط والسعي..  والجهد والمجاهدة، والجهاد والتربية.. أيضا والاستعلاء والعزة..  والثبات واليقين (8).

يقول الشيخ حسن البنا

رحمه الله تعالى .. كذلك مفرقًا بين إيمان خامل .. وإيمان عامل.. أيضا إيمان المسلم القاعد .. وإيمان المسلم الداعية..  تحت عنوان «إيماننا»:

«والفرق بيننا وبين قومنا بعد اتفاقنا في الإيمان بهذا المبدأ، أنه عندهم إيمان مخدر نائم في نفوسهم، لا يريدون أن ينزلوا على حكمه ولا أن يعملوا بمقتضاه.. على أنه إيمان ملتهب مشتعل قوي يقظ في نفوس الإخوان المسلمين، ظاهرة نفسية عجيبة نلمسها ويلمسها غيرنا في نفوسنا نحن الشرقيين:

أن نؤمن بالفكرة إيمانًا يخيل للناس حيث نتحدث إليهم عنها أنها ستحملنا على نسف الجبل وبذل النفس والمال واحتمال المصاعب ومقارعة الخطوب حتى ننتصر بها أو تنتصر بنا، حتى إذا هدأت ثائرة الكلام وانفض نظام الجمع، نسي كل إيمانه وغفل عن فكرته، فهو لا يفكر في العمل لها،

ولا يحدث نفسه بأن يجاهد أضعف الجهاد في سبيلها..  بل قد يبالغ في هذه الغفلة وهذا النسيان..  حتى يعمل على ضدها وهو يشعر أو لا يشعر.. أو لست تضحك عجبًا .. كذلك حين ترى رجلا ً…  من رجال الفكر والعمل والثقافة .. في ساعتين اثنتين متجاورتين من ساعات النهار..  ملحدًا من الملحدين..  وعابدًا مع العابدين» (9).