أساس التمكين وشرطه الأول
بقلم د. علي محمد الصلابي
إن الفرد بغير الإيمان الحقيقي بالله، ريشة في مهب الريح، لا تستقر على حال، ولا تسكن إلى قرار، والإنسان بغير الدين الإسلامي يتحول إلى حيوان شره، أو وحش مفترس، لا تستطيع الثقافة الوضعية ولا القانون الجاهلي أن يحدا من شراهته أو يمنعاه من الافتراس.
والمجتمع بغير دين صحيح، وإيمان قوي، مجتمع متوحش مظلم متألم، وإن لمعت فيه بوارق الحضارة المهترئة وامتلأ بأدوات الرفاهية وأسباب النعيم الحسي، فهو مجتمع البقاء فيه للأقوى، لا للأفضل والأتقى، مجتمع تقرأ التعاسة والشقاء في وجوه أصحابه، وإن زينوا وجوههم بأنواع الأصباغ والمحسنات، وركبوا الطائرات، وسكنوا العمارات واغتصبوا أعظم الثروات، فهو مجتمع تافه رخيص هزيل، لأن غايات أهله غايات ساذجة، سطحية هزيلة لا تتجاوز شهوات البطون والفروج، قال تعالى: [وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ] (محمد: 12.
الإيمان الحقيقي
بخلاف مجتمع الإيمان والإسلام المبني على الحب في الله والرضا بكل ما صدر عن الله عز وجل واهب الحياة ومنشئ الخلق، وصاحب الأمر والنهي المطلق في الوجود كله، وهذا أمر طبيعي، في أن يحب الإنسان ربه، وخالقه ورازقه، لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، وأي إحسان كإحسان من خلق فقدر وشرع فيسر، وجعل الإنسان في أحسن تقويم، ووعد من أطاعه بجنة الخلد التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
لهذا كله ولأكثر منه، أحب المؤمنون ربهم حبًا لا يقاس بغيره مما هو دونه، فقدموا أنفسهم وأهليهم وأموالهم في سبيل الله، بلا تردد أو منة، بل اعتبروا ذلك تفضلاً من الله عليهم، أن فتح لهم باب الجهاد والاستشهاد في سبيله ويسر لهم أسبابه، فقاموا بذلك الواجب خير قيام (1).
إن الإيمان الحقيقي بالله، هو الذي ينبعث منه الحب في الله الذي يحرك إرادة القلب، ويوجهها إلى المحبوبات وترك المحظورات، وكلما ازداد الإيمان بالله في نفس المؤمن كلما ازدادت المحبة في الله لديه قوة وصلابة، وتحول المر حلوًا، والكدر صفاء، والألم شفاء، والنصرة جهادًا، والابتلاء رحمة، والإحجام عن نصرة أهل الحق خيانة، وتراجعًا عن الإسلام.
فالحب في الله أخص من الرضا وأعمق أثرًا حيث إنه الضمان الوحيد لترابط المجتمع واحترام حقوقه ، ولذلك ورد في الحديث الشريف: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم».
أساس التمكين وشرطه الأول
فحقيقة المحبة في الله لا تتم إلا بموافقة الباري جل وعلا في حب ما يحب وبغض ما يبغض.
ولذلك فأكمل الخلق وأفضلهم وأعلاهم إيمانًا من كان أقربهم إلى الله في محبته، وأقواهم في طاعته، وأتمهم عبودية له (5).
وهذه الصفات تستلزم محبة الرسول صلى الله عليه وسلم ومحبة ما جاء به من عند الله، ومحبة المؤمنين بهذا الدين، وإيثارهم على النفس بالمال والنصرة والتأييد والانضمام في حزبهم حيث إنهم حزب الله من انضم إلى حزب الله فقد أفلح في دنياه وأخراه.
إن الإيمان بالله، والحب في الله.. أيضا وما يترتب عليهما قواعد متلازمة.. حيث ينبني بعضها على البعض الآخر، ويتأثر اللاحق منها بالسابق.. فإذا قوي الإيمان بالله في نفس المؤمن .. ازداد الحب في الله، وازدادت الأفعال المترتبة على ذلك.. حتى تصبح الجماعة المسلمة.. ايضا كخلايا الدم في الجسم.. حيث تعمل لغرض واحد.. أيضا وهدف واحد، وفي إطار واحد.. عند ذلك تصبح الجماعة المسلمة .. كذلك بنية حية قوية صامدة .. قادرة على أداء رسالتها .. أيضا ودورها العظيم في حق نفسها.. كذلك وفي حق البشرية جمعاء (6).
ولذلك جعل الله تعالى رابطة الدين والإيمان فوق كل الروابط الجاهلية الفاسدة مثل رابطة الدم، ورابطة اللون أو اللغة، أو رابطة الوطن أو الإقليم أو رابطة الحرفة، أو الطبقة، أو غير ذلك من الروابط الجاهلية التي تختلف اختلافًا جذريًا مع أصول الإسلام ومنطلقاته في الموالاة والمعاداة والحب والبغض، قال تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ] (الحجرات:13).
كذلك فالمقياس .. أيضا لتفاوت الأفراد.. في الإسلام.. هو التقوى والعمل الصالح.. كذلك وهذا المبدأ .. أيضا يحقق العدل.. بالنسبة لكافة المنتمين إليه.. كما ويسع العالم أجمع.. دون أي تمييز بينهم .. ذلك فيما عدا التقوى والعمل الصالح