القوة النفسية العظيمة
القوة النفسية العظيمة

بقلم: محمد حامد عليوة

لا شك أن القوة الشخصية للإنسان لها جوانب عدة، وهي كلها مهمة في بناء الفرد ومدى أثره وتأثيره، ومن هذه الجوانب ما هو مادي ومنها ما هو معنوي، فأخلاق الفرد وفكره الصحيح، ويقينه الصادق وعقيدته الراسخة، وإرادته القوية، وغير ذلك من الأمور، تعد من الجوانب المعنوية في تكوين الشخصية الإنسانية.

أما القوة المادية للفرد فتتمثل في بنائه الجسدي وما يمتلك من أدوات وموارد مادية ووظيفية. إلخ، وهي أمور إن امتلكها فإنها تمكنه من أن يكون ذا فعل وأثر فيمن حوله. وحينما تجتمع في الفرد بعض مقومات القوة (المعنوية والمادية) يكون ذلك أدعي لمزيد من الأثر والتأثير والإنجاز والتغيير.

وتبقي القوة المعنوية – مع أهمية القوة المادية – هي الأساس في قوة الشخصية، فما قيمة الأموال والأجسام والموارد المادية حين تغيب العقول أو تضعف النفوس أو تضمحل الأخلاق.

لذلك لا تعحب وأنت تقرأ حديث الصادق المصدوق ﷺ والذى رواه أبو هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله ﷺ قال: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» متفق عليه.

فالنبي ﷺ هنا يوصف لنا حقيقة الشدة والقوة، أنها ليست (الصُّرَعة)، والمقصود بالصُّرَعة: القوي في بدنه الذى لديه القدرة على مصارعة الناس وغلبتهم بالعضلات المفتولة، وإنما الشديد حقيقة هو من يملك نفسه عند الغضب، فمسألة الشدة في صرع الناس وغلبتهم بالعضلات المفتولة أمر يحصل للإنسان، كما يحصل لغيره من الحيوان، ولكن هذا الإنسان الذي انبسط بدنه وانفتلت عضلاته لربما يكون كالطفل الصغير إذا غضب، فتراه يخرج عن طوره ويفقد سيطرته على نفسه، فيُؤذي غيره، ويتكلم بما لا يعي ولا يعقل.

القوة النفسية العظيمة

وهذا الحديث ذكره الإمام النووي – رحمه الله – في باب الصبر؛ لأن الإنسان حينما يحتدم الحنق في قلبه، ويمتلئ غيظًا وغضبًا فإن السيطرة على النفس عند ذلك وكبح جماحها عن التعدي يحتاج إلى قوة نفسية وصبر عظيم.

وقد ذكر الإمام بن تيمية – رحمه الله – في الفتاوى، ما يؤكد هذا المعني، فقال: «الشجاعةُ ليست هي قوة البدن..  وقد يكون الرجلُ قويَّ البدنِ .. ضعيفَ القلب..  وإنما هي قوة القلب وثباته».

قوة نفسية عظيمة:

من تعريفات القوة النفسية أو ما يسمي أحيانًا الحالة المعنوية: «القوى الكامنة فى صلب الإنسان، التى تكسبه القابلية على الاستمرار فى العمل، والتفكير بعزم وشجاعة، مهما اختلفت الظروف المحيطة به»..  ويعقب على هذا التعريف فيقول: «معنى هذا التعريف أن الفرد يجب أن يكون شجاعًا لا يجبن قويًا لا يضعف عزيزًا لا يهون، صامدًا لا يتراجع، صابرًا لا ينهار، متفائلًا لا يقنط، مستعدًّا للتضحية بروحه وماله من أجل مُثُله العليا».

إنها القوة النفسية العظيمة التى تحدث عنها الإمام حسن البنا – رحمه الله – وحدد لها المعايير والشواهد الدالة عليها، فقال: «إن تكوين الأمم، وتربية الشعوب، وتحقيق الآمال، ومناصرة المبادئ، تحتاج من الأمة التي تحاول هذا أو الفئة التي تدعو إليه على الأقل إلى (قوة نفسية عظيمة) تتمثل في عدة أمور: إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه، والخديعة بغيره.

على هذه الأركان الأولية التي هي من خصوص النفوس وحدها، وعلى هذه القوة الروحية الهائلة، تبنى المبادئ وتتربى الأمم الناهضة، وتتكون الشعوب الفتية، وتتجدد الحياة فيمن حرموا الحياة زمنًا طويلًا».

أهمية البناء النفسي

وفي حديثه عن مراتب القوة .. أيضا ودرجاتها في الأمم الناهضة.. حيث تحدث عن القوة بشمولها..  ولم يهمل القوة المادية فيها..  ولكنه رتبها الترتيب الصحيح .. الذي يقدم للقوة المعنوية وينزلها منزلة هامة.. أيضا في مراتب القوة للأفراد والهيئات والأمم..  فقال – رحمه الله – حول موقف الإخوان المسلمين من القوة:

«فهم يعلمون أن أول درجة من درجات القوة قوة العقيدة والإيمان، ويلى ذلك قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدها قوة الساعد والسلاح، ولا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعًا، وأنها إذا استخدمت قوة الساعد والسلاح..  وهى مفككة الأوصال مضطربة النظام .. أو ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان..  فسيكون مصيرها الفناء والهلاك».

وتأكيدًا على أهمية البناء النفسي والقوة الروحية والعقيدة الراسخة فى تكوين الفرد وقوة شخصيته؛ يقول الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله: «العقيدة المكينة معين لا ينضب للنشاط الموصول، والحماسة المذخورة، واحتمال الصعاب، ومواجهة الأخطار، بل هى سائق حثيث يدفع إلى لقاء الموت دون تهيب إن لم يكن لقاء محب مشتاق. تلك طبيعة الإيمان إذا تغلغل واستمكن.

إنه يضفى على صاحبه.. أيضا قوة تنطبع فى سلوكه كله..  فإذا تكلم كان واثقا من قوله.. كذلك وإذا اشتغل كان راسخا فى عمله..  وإذا اتجه كان واضحا فى هدفه..  وما دام مطمئنا إلى الفكرة التى تملأ عقله..  وإلى العاطفة التى تعمر قلبه..  فقلما يعرف التردد سبيلا إلى نفسه .. أيضا وقلما تزحزحه العواصف العاتية عن موقفه».

ويقول اللواء محمود شيت خطاب – رحمه الله – .. مؤكدًا نفس المعنى: «القيادة الرشيدة .. أيضا لا بدَّ أن تدفعها عقيدة مؤمنة.. كذلك وقلب لم يركس في المعاصي..  ونفس لم تدنَّس بالفسوق والانحراف.. أيضا وإرادة حازمة قوية ضابطة..  غير خاضعة لهوى يهوِي بها..  بل هي سيدة على النفس، حاكمة لها».