أولاً: التغيير والإصلاح في الجانب السياسي

واجه النبي– صلى الله عليه وسلم- أوضاعًا سياسيةً فاسدةً على المستوى المحلي والإقليمي والدولي:

– فعلى المستوى المحلي: كانت السلطة في مكة متمركزة في أيدي فئة قليلة وطغمة فاسدة، تفرض أوضاعًا وتضع أنظمةً لا تمتُّ للعدالة بصلة، ولا مكانَ فيها للحرية والشورى والمساواة، بل الظلم هو الأصل، والطبقية هي القانون، ومراعاة مصالح الطغمة الحاكمة هي العرف السائد.

– وعلى المستوى الإقليمي: كان العرب قبائل متنافرة متناحرة، تقوم بينهم الحروب الطاحنة الطويلة لأتفه الأسباب، وهل ننسى الحرب التي دارت رحاها بين قبيلتين عربيتين مدة أربعين عامًا بسبب ناقة؟!!.

– وعلى المستوى الدولي: كان العالم مقسمًا بين الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية، بل كانت أخصب وأجود أراضي العرب خاضعةً لنفوذ إحدى هاتين القوتين العظميين، فالأطراف الشمالية لشبه الجزيرة العربية كانت موزعةً بين دولة الحيرة في العراق وهي خاضعة للنفوذ الفارسي، ودولة الغساسنة في الشام وهي خاضعة للنفوذ الروماني، كما أن الطرف الجنوبي في اليمن كان خاضعًا بدوره للنفوذ الفارسي.. فكيف أصلح النبي- صلى الله عليه وسلم- هذا الوضع الفاسد؟ وكيف غيَّر هذا الواقع الباطل؟

كان يمكن للنبي- صلى الله عليه وسلم- أن يرفع راية القومية العربية، وأن يقدم نفسه للمجتمع العربي المتناحر المتقاتل في صورة المصلح القومي الذي جاء ليجمع شملهم ويلم شعثهم، ليس لتحرير أطراف الجزيرة من النفوذ الفارسي والروماني فحسب وإنما ليجعل العرب سادة الدنيا وقادة النظام العالمي، على غرار ما فعله هتلر في ألمانيا على سبيل المثال.

ربما يتصور البعض أن هذا كان اختيارًا سهلاً ومضمونًا للنبي- صلى الله عليه وسلم-، فبعد أن ينضوي العرب تحت لواء القومية الذي رفعه ويصبح زعيمهم المطاع وقائدهم المفدى يخبرهم بأنه نبي مرسل لهم من عند الله عز وجل، وقد يرى البعض أن هذا الاختيار كان أفضل من الطريق الذي سلكه النبي- صلى الله عليه وسلم- بإعلان نبوته ورسالته منذ اللحظة الأولى؛ الأمر الذي جرَّ عليه وعلى أصحابه الكرام كثيرًا من صنوفِ الأذى وألوان المحن.

منهج النبي في التغيير والإصلاح

ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يسلك هذا الطريق، وإنما أعلنها صريحةً منذ البداية أن الإيمان الصحيح والعقيدة السليمة هما وحدهما طريق الإصلاح وسبيل التغيير، فقال لهم منذ اللحظة الأولى: “يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا”، واستمرَّ صلى الله عليه وسلم يغرس الإيمان في القلوب ويُزكي به النفوس ويطهر به الأفئدة، ويقيم به بعد ذلك دعائم الدولة الإسلامية الفاضلة في المدينة المطهرة.

حتى كانت الثمرة اليانعة والنتيجة الرائعة حينما انتقل المصطفى- صلى الله عليه وسلم- إلى الرفيق الأعلى وقد فتحت مكة وتوحَّد العرب ودانت الجزيرة العربية بالإسلام، ورفرفت عليها راية الحرية والأخوة والعدالة والمساواة.. ثم انطلق أصحابه الكرام من بعده ينشرون نور الله في الأرض، فتحررت أطراف الجزيرة العربية، بل خضعت معظم ممتلكات الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية للإسلام، وأصبح أكثر من ثلثي مساحة الكرة الأرضية في أقل من تسعين سنة ينعم بظلال الإسلام الوارفة، من حدود الصين شرقًا إلى التخوم الجنوبية لفرنسا غربًا، ومن القوقاز شمالاً إلى أصقاع إفريقيا جنوبًا، في ظاهرةٍ لم تعرف لها البشرية مثيلاً على مدار التاريخ.

ووقف ربعي بن عامر أمام القائد الفارسي ليقول له بكل ثقةٍ إيمانية: أيها القائد، لقد ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.. وبهذا تحقق التغيير والإصلاح على الجانب السياسي في مستوياته المختلفة: المحلية والإقليمية والدولية.. تغيير قائم على أساسٍ متينٍ من الإيمان الصحيح والعقيدة السليمة في قلوب أفراد ربانيين، أنشأوا مجتمعًا صالحًا إيمانيًّا ودولة فاضلة ربانية، غيَّرت وجه التاريخ وحوَّلت دفةَ المسيرة الإنسانية إلى شاطئ الحرية والعدالة وبرِّ الرخاء والمساواة.

على المستوى المحلي والإقليمي والدولي

وما من شكٍ أن الأوضاعَ السياسية التي يعيشها المسلمون الآن على المستوى المحلي والإقليمي والدولي لا تختلف كثيرًا عن الأوضاع التي واجهها المصطفى صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام:

– فعلى المستوى المحلي: هناك أنظمة حاكمة لا تراقب ربها ولا تراعي مصالح شعوبها، وتتركز السلطة في أيدي حفنةٍ قليلةٍ من المنتفعين أصحاب المصلحة في استمرار الأوضاع الفاسدة، ويشيع الظلم والفساد وتنتهك الحرمات وتكبت الحريات.. وغيرها من الأمور التي لا تخفى على مَن كان لديه أدنى مسكة من عقل وأقل مرتبة من الإدراك.

– وعلى المستوى الإقليمي: تفتت الأمة المسلمة إلى دويلات متناحرة..  وشعوب متنافرة وأنظمة متخاصمة..  بأسهم بينهم شديد..  يقدمون فروض الولاء والطاعة لأعدائهم .. ذلك في حين تكون وطأتهم شديدة.. أيضا على إخوانهم في الدين.

– وعلى المستوى الدولي: يرزح العالم تحت نير القوة الغاشمة..  التي تسيره وفق هواها .. وتنظم أموره طبقًا لمرادها ومبتغاها.. كما وضاعت العدالة وغابت الحرية..  وكسفت شمس المساواة.. وتحت شعار زائف من الشرعية الدولية .. حيث تنتهك حرمات الدول وتنهب ثرواتها .. كما ويخطط للقضاء المبرم..  على هويتها وكيانها.. كذلك وبصفةٍ خاصة الشعوب العربية والإسلامية.

فما أحوج الأمة المسلمة.. أيضا إلى التأسي بنبيها..  المصطفى وحبيبها المجتبى.. – صلى الله عليه وسلم..  في منهجه الإصلاحي.. أيضا في هذا الجانب.. ذلك لإصلاح فساد الأنظمة..  من ناحية.. كذلك وضمان تحقيق الوحدة الشاملة .. من ناحيةٍ أخرى.. أيضا وصولاً في النهاية..  إلى عودة الأمة المسلمة..  لتبوأ مكانتها القيادية.. كذلك على المستوى العالمي..  لتعديل مسار النظام الدولي.. أيضا والأخذ بيده .. إلى طريقِ الحرية والعدالة..  والمساواة والرخاء.