علو الهمة

علو الهمة 2

والدرس البليغ من همة إبراهيم عليه السلام في أول عمره وآخره أن الهمة العالية ليست وقفاً علي مرحلة دون أخري، ولا ترتبط بالقوة والشباب وحده، فالهمة العالية تجعل الكهل يعيش بروح الشباب وحيوتهم وحماسهم، وسقوط الهمة يصبغ الشباب بصفرة الموت،  ويلف الشباب في أكفان الموتي. بل إن الهمة العالية تجعل صاحب العذر ينافس الأصحاء بل ويسابقهم فيسبقهم سبقاً بعيداً ويتفوق عليهم تفوقاً منقطع النظير، وهل كان عمرو بن الجموح رضي الله عنه إلا معاقاً شديد العرج وقد قبل الله عذره عن الجهاد، ولكن همته أبت عليه إلا المشاركة في مواجهة الباطل، وأبت عليه أن ينتظر حتي يأكل تمرات في يده، وانطلق لا يلوي علي شيء حتي أمسي  شهيداً في الجنة.

وقد حفظ لنا تاريخ الحركة الإسلامية في القرن العشرين سير قادة عظام أصبحوا رموزاً للجهاد والتضحية علي مر العصور، وعلي رأس هؤلاء الشيخ أحمد ياسين شيخ المجاهدين الذي حملته همته العالية علي قهر الإعاقة، واستفرغ وسعه في تربية جيل من المجاهدين، وظل دائب الحركة حتي ضاق الاحتلال الصهيوني بحركته فاستهدفته طائرات الأباتشي الإسرائيلية بصواريخها الموجهة بعد خروجه من المسجد في صلاة الفجر، فكانت بقايا كرسية المتحرك الذي تطاير مع أشلائه حجة علي الأصحاء وأهل القوة والعافية، وصار رمزاً للجهاد الإسلامي بل لكل الأحرار في دنيا الناس إلي يوم يبعثون. ولم يكن حالة فريدة في الجهاد الفلسطيني فقد سار علي نهجه الشهيد أحمد جرار علي كرسيه المتحرك، وفي مسيرات العودة الأخيرة شاهد الناس علي شاشات التلفاز الشيخ مبتور الساقين علي كرسيه المتحرك وهو يرجم الاحتلال بمقلاعه ويواجه رصاصهم بصدره العاري حتي لقي ربه شهيداً.

علو الهمة 2

نعم يا أخي الحبيب.. إنها الهمة العالية التي تبعث الحياة في البلي، وتجعل المستحيل ممكناً، وتتخطي كل الأسوار، وتحطم كل القيود، وترتفع علي كل الآلام، فتصنع المعجزات،  وتأتي بالعجائب التي تبهر العقول. في كل الميادين، وتجعل العمر القصير مباركاً، وتمد فيه آلاف السينين؛ فقد توفي الإمام النووي رحمه الله في الأربعينات من عمره وخلف علماً ينتفع به إلي يوم القيامة، واستشهد الإمام البنا رحمه الله ولما يجاوز العقد الرابع وقد أنجز أعظم بناء  يحمل هم الإسلام في القرون الأخيرة، وزار أكثر من أربعةآلاف قرية في القطر المصري، وغرس الدعوة في قلوب الملايين.

الاستمرار علي نهج الاستقامة:

من مظاهر الهمة العالية الاستمرار علي نهج الاستقامة؛ فيبقي الإنسان علي خلقه ومروءته في السراء والضراء،  والعسر واليسر، والرخاء والشدة، ولا تنال منه الشدائد فتحرفه عن استقامته، ولا تستبد به الأحداث فيفقد خلقه الحسن وينزل عن مستواه الرفيع، فلا تبطره النعمة ولا يذل لفقدها، ولا يبتعد عن الحق والعدالة والإنصاف مهما كانت الظروف، فهو يعمل قل الناس حوله أو كثروا، وتنجلي عنه كل فتنة ولم تنل من عقله أو قلبه أو روحه قيد شعرة، وتنطوي دونه كل شدة ولم تنل من مروءته مثقال ذرة.

  و ورحم الله الشاعر عبد العزيز بن زرارة إذ يقول:
وليلة من ليالى الدهر كالحة ونكبة              *****    باشرت من هولها مرأى ومصطرعـــــــــــــــــــــــا
لـــــــو  رمى الرامـــــــــــى بهــــــــــا حجـــرا أصـــــم   *****  من جـــــــندل الصـــــــــوان لانــــــصدعـــــــــــــــا
مرت علىّ، فلـــــم أطرح لهــــــــا ســـــــــــــَـَـــلَبى  *****   ولا اشــــــــتكيت لها وهنـــــا ولا جزعـــــــــــــــا
لا يملأ الأمر صدرى قبل موقعـــــــــــــــه  *****          ولا يضيق بــــــــه صـــــــــــدرى إذا وقعـــــــــــــــــا
كُلاً لبستُ فلا النعماء تبطرنــــــــــــــــــــــــى  *****      ولا تخشعــــــــــت مــــــــن لأوائهـــــا جزعــــــــــــا
يقول الشيخ الغزالي رحمه الله: “إن علو الهمة ميزة تختص بها النفوس الكبيرة، وليس خلقاً يستطيعه سواد الناس، وعندما يعتنق الرجل مبدأً كريماً ثم يسير فى الحياة على ضوئه تلقاه عقبات جمة،
كما وتعترضه صعابٌ كثيرة .. فإن كان واهن العزم قريب القاع فتّ ذلك فى عضده.. كذلك وثناه عن غرضه..  أما إن كان عالى الهمة..  صلب الإرادة .. أيضا فإن احتكاك الشدائد بنفسه الكبيرة..  لا يزيده إلا رغبة فى الانطلاق..  وأملاً فى الوصول .. أجل قد تتكون بعض النفوس .. أيضا من عناصر هشة، سرعان ما تنكسر عند أول صدام..  ثم تؤثر الانسحاب والتوارى .. أيضا وقد يتكون بعضها من عناصر ذات بأس واقتدار..  إذا التقت بالأحداث العاتية قدحت الشرر.. كذلك وتألق جوهرها على مس الشدائد.