البشرى ومقاصدها في القرآن الكريم

البشرى ومقاصدها في القرآن الكريم

بقلم د: توفيق زبادي

المقدمة :

البشرى بالخيرات من وسائل حث العباد، وحضهم، وتنشيطهم على العمل الصالح، والاستبشار بالخير من الأمور النفسية التي تجعل صاحبَها يعيش حياةَ خالية من الاكتئاب واليأس، وتقلل نسبة إصابته بالأمراض النفسية والعضوية؛ لذلك أمر القرآن الكريم المؤمنين بالاستبشار بأن اللّهُ لا يضيع أجورَهم، وقد كانوا يخشون على إيمانهم، ويخافون سوء الخاتمة المحبطة للأعمال، فلما رأوا ما للمؤمنين عند اللّه من السعادة، وما اختصهم به من حسن الخاتمة التي تحصّل معها الأجور وتضاعف الأعمال؛ استبشروا؛ لأنهم كانوا على وجل من ذلك.

وأمرهم بالاستبشار بالنصر المرتقب على أعدائهم، وهلاكهِم وقطعِ دابرِهم، لكي ينشطهم في السعي في مجاهدة أعدائهم باللسان والسنان، ووعدهم إن فعلوا ذلك بالرحمة التي تسعهم، والرضوان الذي لا سخط بعده، والنعيم الذي لا انقطاع له في جنات الخلد.

 واشترط لتحقيق البشرى الإيمان والعمل الصالح؛ لأنهما قاعدتا الثواب والجزاء، ثم بشرهم ببشارات عامة، وبشارات خاصة على حسب المستوى الإيماني ومقتضياته، وذكر في كتابه المُبشِّرين والمبشَّرين، وبيَّن الأسباب الموصلة للبشرى التي إذا قام بها المؤمنون؛ تحققت لهم البشارة في الدنيا والآخرة.

وأصل البشرى ومنشؤها هو اللهُ  الرحيمُ بعبادهِ المًحبُ لهم، المتوددُ إليهم بصنوفِ نعمه العليمُ الخبيرُ بما يسرُهم وينشطهُم لطاعته؛ حتى يكونوا أهلاً لجواره في جنته؛ فهي وإن جاءت في بعض المواضع من بعض خلقه كالملائكة والرسل؛ لا تخرج عن الله فهو الآمر بها المحقق لها.

ومن عنايته ورعايته بعباده أن تكون بشارتهم على حسبِ درجاتِهِم، وحسبِ عظمِة المبشَّر به، فمن كان أعظمَ درجة عنده بشَّره، ولما كان الرسل والأنبياء أعظم منزلة عنده بشرهم بنفسه، أو بملائكته المقربين كما قال تعالى في سياق تبشير ابراهيم بإسماعيل -عليهما السلامفَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ [ الصافات: 101]، وقال تعالى في سياق تبشير زكريا بيحيي.– عليهما السلام -يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُه ُيَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً [ مريم

البشرى ومقاصدها في القرآن الكريم

وأرسل  ملائكته لتبشير مريم الصديقة – عليها السلام – بعيسى   كما قال تعالى  إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ  [ آل عمران:45].

ثم بشَّر أعظم المؤمنين درجة عنده وهم المهاجرون المجاهدون بأموالهم وأنفسهم، عن طريق أفضل رسله محمد  ؛ فجمعوا بين مزيتين توفيق الله وتسديده لهم في القيام بالأعمال الموصلة إلى البشرى، وهذا ما يشير إليه قوله (رَبُّهُم) التي تعني المربي والمصلح لأوليائه، وتبشيرهم على لسان أصدق الخلق وأقربهم منزلة عنده كما قال تعالى :  الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأوْلَئِكَ همُ الْفَائِزُونَ. يبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مّقِيمٌ. خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ[ التوبة :20-22].

كما وأرسل الرسل للناس.. كذلك مبشرين ومنذرين..  ليقيم عليهم الحجة..  وقد قاموا – عليهم السلام –بتبليغ رسالتهم حق القيام.. أيضا وأعذروا إلى الله.. كما بشَّروا أكثر مما أنذروا.. ذلك لأنهم رحمة للناس..  ولأن ربهم الذي أرسلهم رحمته سبقت غضبه.. كذلك وبقي ورثتهم من بعدهم.. أيضا يحملون عبء الرسالة .. التي تقصم الظهر، وترعد الفرائص..  فإذا ساروا على خطى الرسل والأنبياء.. كذلك وقدموا البشارة على النذارة..  فازوا ونجوا وحصلت لهم السعادة في الدنيا.. كذلك وجعل لهم المحبة والمودة في قلوب الناس.. أيضا وفي الآخرة مرافقة  الذين أنعم عليهم..  من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.. كذلك وجواره الكريم.