ماذا بقي من الهجرة
بقلم: د. حمدي فتوح والي
سؤال يشعر القارئ بأن الهجرة كانت حدثًا تاريخيًّا، له أسبابه ودواعيه التي جعلته ضروريًّا في الوقت الذي وقع فيه؛ وحيث إن الأسباب والدواعي قد انتهت فقد انتهى الحديث وانقضى، ولم يبق مجال لتكراره مرة أخرى، وإنما الذي بقي هو الاستفادة من كيفية التنفيذ وعبقرية التخطيط ودقة الإعداد وروعة الأداء ممثلاً في فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلال التضحية وصدق الإخاء ممثلاً في شخصية الصديق رضي الله عنه،
والشموخ الأنثوي العظيم ممثلاً في أسماء بنت الصديق، والذكاء وحسن التقدير ممثلاً في عبد الله بن أبي بكر، وروعة الحب والفداء ممثلاً في علي بن أبي طالب، وذروة الشهامة والرجولة ممثلةً في عامر بن فهيرة، وقمة الأمانة والشرف ممثلةً في الدليل الذي قاد قافلة النبوة عبد الله بن أريقط.
هذا ما سيشعر به القارئ الذي يقرأ عنوان المقال؛ وهو شعور مقبول ومعقول لمن يعتبر حدث الهجرة حدثًا تاريخيًّا وقع وانتهى، وعندها فإن الحديث عن الهجرة يأخذ شكلاً موسميًّا، لا يُقبل ولا يستساغ إلا عند حضور المناسبة كحدث الإسراء والمعراج، وكمناسبة المولد النبوي الشريف، ومناسبة غزوة بدر أو ليلة القدر أو موسم الحج، وغير ذلك من المناسبات،
وكذلك الهجرة فإن مناسبتها هي بداية العام الهجري، أما الكلام عن الهجرة في غير هذا التوقيت فإنه سيكون مستغربًا، وربما يستهجن؛ لأنك تتحدث خارج المناسبة، أو تفرد وحدك خارج السرب، مع العلم بأن الهجرة لم تقع في أول المحرم، وإنما كانت في الأيام الأولى من شهر ربيع الأول، وتم وصوله صلى الله عليه وسلم في الثاني عشر من هذا الشهر الكريم.
إن من يتناول الهجرة بهذا التصور سيكون معذورًا، إذا قال إنه لم يبق من الهجرة إلا هذه الدروس؛ وحيث إن الدروس قد قتلت بحثًا وظهرت للمتناول في وضوح وجلاء نتيجة تكرار المناسبة، واجتهاد المحللين من العلماء والباحثين على مدى مئات الأعوام؛ فإنه لم يبق من هذه الدروس إلا إعادتها للتذكر نظرًا لاختلاف الأجيال وتعاقبها،
ماذا بقي من الهجرة
وننسى أننا بهذا الفهم وهذا التصور قد جنينا على الهجرة المباركة، وحرمنا الأمر سر وجودها ومكمن عزها وأسباب سعادتها وسيادتها بتعطيل الاستفادة من هذا الحدث العظيم؛ وهو ما يجعلنا في حاجة ماسة إلى ضرورة إعادة النظر في تصورنا لهذا الحدث، وكيف يمكن الاستفادة منه على الوجه الذي شرع من أجله؟
إن الهجرة في لساننا العربي تعني كما يقول صاحب لسان العرب: “الهجر: ضد الوصل، هجره يهجره هجرًا وهِجرانًا: صرمه، وهما يتهاجران ويهتجران، والاسم الهجرة، وفي الحديث: “لا هجرة بعد ثلاث“، يريد به الهجر ضد الوصل، يعني فيما يكون بين المسلمين من عتب أو تقصير يقع في حقوق العشرة والصحبة، دون ما كان من ذلك في جانب الدين؛ فإن هجرة أهل الأهواء والبدع دائمة على مر الأوقات ما لم تظهر التوبة منهم، ويرجعون إلى الحق،
فإنه صلى الله عليه وسلم لما خاف على كعب بن مالك.. وأصحابه النفاق.. حين تخلفوا عن غزوة تبوك أمر بهجرانهم خمسين يومًا.. كذلك وقد هجر صلى الله عليه وسلم نساءه شهرًا.. وهجرت عائشة رضي الله عنها ابن الزبير مدة.. وهجر جماعة من الصحابة جماعة منهم.. أيضا وماتوا متهاجرين.. كما قال ابن الأثير:.. ولعل أحد الأمرين منسوخ بالآخر،
أيضا ومن ذلك ما جاء في الحديث:.. “ومن الناس من لا يذكر الله إلا مهاجرًا” .. حيث يريد هجران القلب.. وترك الإخلاص في الذكر.. فكأن قلبه مهاجر للسانه .. أيضا غير مواصل له.. كذلك ومنه حديث أبي الدرداء رضي الله عنه: .. “ولا يسمعون القرآن إلا هجرًا” .. يريد الترك له والإعراض عنه.. وهجر فلان الشرك هجرًا وهجرانًا وهجرة حسنة.. كذلك والهِجرة والهُجرة: .. الخروج من أرض إلى أرض.. أيضا والمهاجرون .. الذين ذهبوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، مشتق منه”(1).