رسالة حب إلى أخي 2
بقلم: محمد عبده
وأولى مراحل العلاج أن يتبين صاحب هذا المرض العضال، الذي يفرق ولا يجمع، ويعكر صفو المتحابين المتآخين.. هو بيان حكم سوء الظن بالآخرين، وبيان خطورته؛ لعل في ذلك رادعًا له، فقد يكون جهله بحكمه وعدم إدراكه لخطورته وراء ذلك السلوك السيئ.
حكم سوء الظن
أما حكمه فقد حرم الإسلام الظن السيئ بالآخرين وبخاصة المؤمنين المعروفين بصلاح حالهم ونقاء سريرتهم، واستقامة خلقهم.
قال تعالى ﴿.. إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ همْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116) (الأنعام)، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36)﴾ (يونس)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (الحجرات: من الآية 12).
وقال صلى الله عليه وسلم: “إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث” (رواه البخاري ومسلم).
خطورته
ولعل في مقدمة خطورة تلك العادة السيئة إيغار الصدور والفرقة والتنافر بين الأقران، وانعدام الثقة بين المتحابين.
المربِّي ودوره
والعلاج من الخارج والمعنيّ به هو المربي الذي قد يكون عاملاً مساعدًا في استفحال ذلك الخلق السيِّئ بممارساته التربوية الخاطئة، والتي يمارسها من خلال المواقف التي يتعرض لها مع صاحب هذا السلوك.
ومهمة المربين والمصلحين والمهتمين بمعالجة تلك الحالة في أنهم لا بد لهم من تعهد صاحب هذا السلوك، فهي خطوة مهمة على الطريق، فلا فائدة ترجى من خاطرة أو نصيحة عابرة، ثم تركه لحال سبيله يتخبطه الشيطان كيفما يشاء، فالتعهد والتربية- وخاصةً من خلال المواقف- هي أقوى وسيلة والتي تُعتبر ذات فاعلية كبرى ستترك الأثر الكبير في نفسه، وأهم مظاهر التربية بالموقف:
1- عدم السماع لنقد الآخرين، فالاستجابة لسماع الوشاية، وتبادل أطراف الحديث، والتجاوب مع التحليلات والآراء في مادة سوء الظن ما هو إلا ضوءٌ أخضر وتشجيع على ذلك السلوك.
2- الدفاع عن الغائبين وتقمص شخصياتهم.. كذلك وردّ غيبتهم .. وعدم قبول أي تجريح لأي شخص.. مهما كانت قلة مكانته.. ففي ذلك درس عملي لاحترام حقوق الآخرين.. أيضا ودعوة لعدم الاقتراب من أعراضهم.. فهي مصانة ومحفوظة حتى في غيابهم.. ولو تم فتح الباب في هذا المجال لتحدث الجميع عن بعضهم البعض.. كذلك ولأصبحت أعراضهم مشاعًا .. يتناولها بالتجريح القاصي والداني.. وفي الدفاع عن الآخرين والذود عن أعراضهم.. أيضا دعوة صريحة لعدم تكرار الحديث عنهم مرة أخرى.
3- إذا أصرَّ صاحب هذا الخلق السيِّئ على الحديث وإتمام تفسيراته السيئة لتصرفات وأقوال الآخرين، علينا أن نساعده في إيجاد تفاسير بديلة والتماس الأعذار التي تحفظ غيبتهم لحين الاستيثاق منهم مباشرةً، وحبَّذا لو تم دفعه شخصيًّا للتأكد وسؤال المَعنِي.
رسالة حب إلى أخي 2
4- عدم قبول أي اتهام أو تفسير سيِّئ إلا بدليل، وبراهين دامغة، ولا ثم لا للتوقعات أو التخمين أو التهيؤ، يقول تعالى: ﴿قلْ هَاتُوا برْهَانَكُمْ إِنْ كنْتُمْ صَادِقِيْنَ﴾ (البقرة: من الآية 111)، ويقول تعالى: ﴿لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شهَدَاءَ﴾ (النور: من الآية 13).
5- تربية صاحب هذا السلوك على أن لنا الظاهر والله يتولى السرائر، وخاصةً عند اتهام الآخرين في نواياهم أو الأمور القلبية التي تكون بين العبد وربه، فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي سَرِيَّةٍ فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جهَيْنَةَ فَأَدْرَكْتُ رَجُلاً فَقَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَطَعَنْتُهُ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ؟! قَالَ قلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنْ السِّلاحِ، قَالَ: “أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا” فَمَا زَالَ يكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ”.
6- اتهام النفس وتبرئة الآخرين.. وذلك بعدم تصديق الظانِّ بإخوانه لأول وهلة.. كذلك وتخويفه بالله، وتذكيره بتقواه.. كأن تقول له: اتق الله لعلك مخطئ.. في تفسيرك.. أو لعل سمعك قد أخطأك فيما سمعت.. أيضا أو أن بصرك قد خانك فيما رأيت.. وتوجيهه بأن أسْلَم الأشياء في مثل هذه المواقف.. هو الاستيضاح من صاحب الشأن نفسه، ودفعه إلى فعل ذلك.
7- التحذير من الهوى واتباعه، ومع أمثال هذه النوعية يجب على المربين حين تعاملهم معهم أن ينتبهوا إلى الميل القلبي لدى الشخص أو الحسد والبغض عند الآخر، فقد يكون عدم الاستلطاف أو البغض دافعًا قويًّا على سوء الظن بالآخرين، وتتبعه لالتماس العثرات وتصيد الأخطاء وإشاعتها بين الآخرين للنيل منهم، كما أن الشخص إذا مال بهواه إلى آخر فإنه يتجاوز بميله هذا عن عثراته وسقطاته حتى وإن كان مُخطئًا:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكنَّ عين السخط تبدي المساويا