1- تأمين القاعدة الجديدة تأمينًا محسوبًا لا يدع مجالاً للمفارقات:
استغرق سنتين حتى سرى الإسلام في المدينة، وأرسلت طلائع الدعاة إليها، وجاءت بنتائج طيبة ومبشرة وبوفود كثيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ عليهم العهد والميثاق على المنعة والجهاد في سبيل هذه العقيدة، ولاقت وفود المهاجرين كل ترحاب وإيثار وحب, وتشوق الكل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2- عدم المجازفة في أي أمر من الأمور وحساب كل أمر وبحثه ومعرفة جوانبه ومدخله ومخرجه:
فقد علمنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأذن لأحد بالذهاب إلى المدينة إلا بعد تأمينها وأخذ العهد على أوسها وخزرجها، وسرت فيهم معاني الأخوة الحقة حتى إنه لم ينزل مهاجري على أنصاري إلا بقرعة، لحبهم وإيثارهم لإخوانهم المهاجرين، ويظهر ذلك في خطوات الهجرة التي ظهرت بعد ذلك.
حول إستراتيجية الهجرة
3- عدم التعرض إلى مواجهات:
فقد عرضت الوفود الأنصارية على رسول الله أن تميل على أهل منى بالسيوف فأمرهم الرسول بالكف عن ذلك قائلاً: “لم نؤمر بهذا بعد“، وكانت خطة الرسول في الهجرة كلها تسير على هذا المنوال.
4- السرية التامة في كل حركة، وتناغم تلك السرية مع عدم المواجهة، فتكون ستارًا من دخان الخداع النفسي والعملي حتى تتم عملية الهجرة بسلام:
فكانت اجتماعات الرسول صلى الله عليه وسلم بالوفود سرية، وكان حضه لأصحابه على الهجرة مقرونًا بالسرية وفي جوف الليل وتحت جنح الظلام.
5- التخطيط والترتيب والاستعداد المسبق والوقت المحسوب:
فما كانت الهجرة ضربًا من المصادفات، أو عملاً جزافيًّا أو وقتيًّا، وإنما كانت نتاج جهد وزمن وبحث وتقص، وعمل دءوب ومبرمج، أدار عقول جهابذة قريش حتى فتح القرشيون يومًا أعينهم على مكة وقد أقفرت من المسلمين.
6- الخداع والمكر الذي يبنى على حسابات دقيقة ومخططات متناغمة مع عوامل النصر:
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)﴾ (الأنفال).
مجتمع هائج يمكر كله ويمعن في الحيل للقضاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم:
– اجتماع الندوة: يجتمع المشركون في دار الندوة ليضعوا اللمسات الأخيرة- وفي سرية تامة- لقتل الرسول بأيدي كل قبائل قريش وبمشاورتهم كلهم، حتى يتفرق دمه في القبائل ويكون هدرًا، ويوضع بني عبد مناف أمام أمر واقع، وتفرغ قريش إلى الأبد من الرسالة وصاحبها، فيعلم الرسول بالأمر.
– قراءة في العقل المشرك: وكان دائمًا على مستوى الأحداث، ومستعدًا لها من زمن لأنه يقرأ دائمًا في عقلية المجتمع الجاهلي، ويواكب تسلسل خططه، ويتفاعل مع مؤامراته، ويمكر لها خيرًا من مكرهم ويعد لها أفضل من إعدادهم، وأتصور لو لم يكن هناك إعداد مسبق من الرسول صلى الله عليه وسلم ماذا كان سيجدي علمه بليلة تنفيذ حكم الإعدام، وأين المفر والدنيا كلها مستنفرة، وهكذا كان شأن الرسول صلى الله عليه وسلم مع الأسباب المعتادة، يقوم بها ويعد لها إعدادًا كأنها كل شيء في عوامل النجاح- ثم يتوكل على الله بعد ذلك- ولم يدع في حسبانه شيئًا.
الإستراتيجية التنفيذية للهجرة
– تكتيكة الحركة للخطوط العمياء: ومن ثم فإنه صلى الله عليه وسلم وضع خطته في سرية تامة، وأعد ناقتين شديدتين وعلفهما وأراحهما حتى تقدرا على القيام المهمة، واستأجر خبيرًا بطرق الصحراء، ليستعين بخبرته على مغالبة المطاردين، واختار مكان الاختباء بعيدًا ومموهًا على المشركين
أيضا ثم نظم من يأتيه بالأخبار ومن يأتيه بالطعام .. ومن يراقب الطريق ويعفي على آثار الأقدام.. كذلك واختار من ينام مكانه ومن يؤدي الأمانات.. أيضا ومن سيصحبه في الرحلة.. كذلك وحدد الوقت الذي تبدأ فيه ساعة الصفر لتنفيذ المهمة، ثم وضعت الخطة.. بعد ذلك على بساط البحث.. مع أبي بكر رضي الله عنه.. كما وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم متسللاً جنوبًا على طريق اليمن ولجأ إلى جبل ثور.. ثم توقف عن المسير ثلاثة أيام.. ذلك ريثما هدأت ثورة قريش ويئسوا بعد بحث مستميت.. ثم خرج يسير في طريق غير معتادة أو معبدة للسير.. كما يسير ليلاً ويكمن نهارًا، إلى أن وصل يثرب.. خطة محكمة وإستراتيجية ناجحة.. حيث تنزل عليها نصر الله سبحانه وتعالى.
نصر ونجاح:
ونجح الإسلام في تأسيس دولة له.. أيضا وسط صحراء تموج بالعداوة والكفر والجهالة.. كما تنادى المسلمون إليها من كل حدب وصوب.. كذلك وتعاون الكل في تشييد مجتمع ترقبه الدنيا.. أيضا وتتعشقه الحياة .. وتلحظه عناية الله سبحانه.. كذلك وهبت نسمات الزمان مرددة قدر الله .. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: من الآية 55) صدق الله العظيم.