منهج النبي في التغيير والإصلاح2
بقلم: د. ياسر أبو شبانة
ثانيًا: التغيير والإصلاح في الجانب الاقتصادي
ولد المصطفى- صلى الله عليه وسلم- والأوضاع الاقتصادية في غايةِ التردي والفساد، فالثروة مكدسة في جيوب فئة قليلة العدد، ولكنها تملك كل شيء، في حين تقبع الأكثرية الكاسحة في قاع المجتمع ولا تملك من أمر نفسها شيئًا، والأعراف المستقرة والقوانين السائدة لا تسمح للفقير إلا بأن يزداد فقرًا، بينما تتيح للغني أن يضخم ثروته ويزيدها أضعافًا مضاعفة، فالربا والاحتكار والغش والظلم وسيادة منطق القوة كانت جميعها من معالم النظام الاقتصادي السائد في مكة.. وثروات العرب في أطراف جزيرتهم تصبُّ في نهاية المطاف- بمقتضى الخضوع والذل- في خزائن الفرس أو الرومان.
وقد كان يمكن للنبي- صلى الله عليه وسلم- أن يشعلها ثورة إصلاحية لاسترداد حقوق الأغلبية المعدمة الكادحة من أيدي الأقلية المترفة المستبدة، ولو فعل لانضوى تحت لوائه وتجمع تحت رايته آلاف المطحونين المظلومين اللذين يملك بهم أن يصل إلى سدةِ الحكم وكرسي الرئاسة، وساعتها يخبرهم بأنه رسول هدى ونبي منهج وشريعة.. ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يسلك هذا الطريق ولم يختر الله له هذا المنهج، وإنما اختار له أن يعلن منذ البداية أنه رسول من عند الله عز وجل يحمل منهجًا ربانيًّا عظيمًا، يقوم على التوحيد الخالص والإيمان العميق فخاطبهم منذ اللحظة الأولى: “يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا”.
وبعد تربية مستمرة وعمل متواصل، استقرَّ الإيمان في القلوب وتغلغل في الأفئدة وملك على الصحب الكرام أقطار نفوسهم، فاندفعوا طائعين مختارين راغبين، دون ضغط من سلطة أو إكراه من قانون، فحققوا العدالة الاجتماعية وقدموا يد العون والإحسان إلى المحتاجين، بلا من ولا أذى ولا جرح لمشاعر ولا كسر لخواطر.
منهج النبي في التغيير والإصلاح2
ولعل أعظم مثالٍ للتدليل على ذلك ما فعله عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ إذ جاءته قافلة تجارية ضخمة (ألف ناقة تحمل على ظهورها من النعم والخيرات ما لا قبلَ لإنسانٍ بتصوره) في وقت اشتداد الكرب والمحنة والمجاعة على المسلمين قي خلافة عمر رضي الله عنه، وهرع التجار إليه للمساومة وتحصيل أكبر قدر من هذه الكعكة الهائلة.
كذلك وطفقوا يقدمون له العروض المغرية واحدًا إثر الآخر وهو يقول لهم: عندي مَن يعطيني أكثر، حتى إذا استنفدوا جهودهم وعروضهم خاطبهم قائلاً: إن الله قد أعطاني الحسنة بعشر أمثالها، أشهدكم أن هذه القافلة كلها صدقة على المسلمين.
فالإصلاح الاقتصادي إذًا: لم يتحقق بقرار ملزمٍ أو قانون قاهر، اللهم إلا قانون الإيمان العميق بالله وقرار الاستجابة الفورية لأوامره.. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 24)؛ مما يدفع المؤمن دفعًا إلى تحقيق العدالة وإذابة الفوارق بين الطبقات، بإعطاء الفقير والمحتاج كفايته التامة التي تضمن له الحياة الكريمة مع الحفاظ على كرامته وعدم جرح أحاسيسه.. ﴿الَّذِينَ ينفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا همْ يَحْزَنُونَ (262)﴾ (البقرة).
والناظر إلى الأوضاع الاقتصادية اليوم- في مستوياتها المختلفة: المحلية والإقليمية والدولية- يدرك بسهولة أن المشهد لا يختلف كثيرًا عمَّا كان عليه الحال يوم وُلد وبعث المصطفى- صلى الله عليه وسلم-:
فعلى المستوى المحلي: تتركز الثروة في أيدي نفر قليل من أصحاب الحظوة والنفوذ، الذين يضعون من الأنظمة ويشرعون من القوانين ما يضمن لهم ديمومة سيطرتهم واستمرار نفوذهم، في حين تبقى الأغلبية الكاسحة في فقرٍ مدقعٍ وتزداد أحوالهم سوءًا يومًا بعد يوم.
– وعلى المستوى الإقليمي
: تعيش شعوب بعض الدول الإسلامية في ترفٍ مستفز وأحوال من الرفاهية الزائدة عن الحد، في الوقت الذي لا يجد فيه إخوة لهم في الدين ما يسدون به رمقهم ويبقيهم على قيد الحياة.
– وعلى المستوى الدولي:
كما لا يمثل سكان الغرب.. (أوربا وأمريكا) .. سوى 27% .. من سكان العالم.. أيضا ولكنهم يملكون وحدهم.. ما يقرب من 73% من الثروة العالمية.. وفي الوقت الذي تلقي فيه كثير من الدول .. أيضا بفائض محاصيلها في المحيط.. ذلك حفاظًا على أسعارها.. في السوق الدولية.. كما لا يجد ما يقرب من خمس سكان.. الكرة الأرضية .. كذلك كسرة خبز يقيمون بها أود حياتهم.. كما ويسقطون صرعى الجوع والنسيان .. والإهمال والظلم من الإنسان لأخيه الإنسان.
ولا إصلاح لهذه الأوضاع الفاسدة.. كذلك والأنظمة الجائرة .. إلا بالمنهج التربوي الإيماني الفريد .. الذي جاء به خاتم الرسل.. وسيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم.. ذلك ليعم الرخاء أرجاء العالم.. أيضا وليتم توزيع الثروة العالمية توزيعًا عادلاً.