البشرى ومقاصدها في القرآن الكريم2
بقلم د: توفيق زبادي
معنى البشرى ودلالاتها:
لغةً: الخبرُ السارُ الذي يظهر أثرهُ على الوجه.
اصطلاحًا: كلُ خبرِ صادقِ تتغير به بشرةُ الوجه، وتستعمل في الخيرِ والشرِ، وفي الخيرِ أغلب.
أنواع البشارات
بشارات عامة للمؤمنين
بشِّر المؤمنون ببشارات عامة، لم يذْكر فيها المبَشَّر به؛ ليدل على العموم، وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وكل خير واندفاع كل ضير، رتِبَ على الإيمان؛ فهو داخل في هذه البشارة.
فإن قلت لِمَ لمْ يذكر ما يبشرهم به؟
قال الشيخ رشيد رضا – رحمه الله – “لَمْ يَذْكُرْ مَا يبَشِّرُهُمْ بِهِ؛ لِتَعْظِيمِ شَأْنِهِ، وَشمُولِهِ لِخَيْرِ الدُّنْيَا وَسَعَادَةِ الْآخِرَةِ” ( ) .
فإن قلت لِمَ لمْ يذكر مقدار البشْرى وصفتها ؟
قيل ؛ لأن مقدارها وصفتها بحسب حال المؤمنين، وإيمانِهم قوة وضعفاً، وعملاً بمقتضاه.
وهذه البشرى للمؤمنين تدل دلالة واضحة على محبة الله للمؤمنين، ومحبة ما يسرهم، واستحباب تنشيطهم وتشويقهم بما أعد الله لهم من الجزاء الدنيوي والأخروي.
أيضا وقد ذكِرت صفات للمؤمنين المبَشَّرين بالبشارات العامة في آيات منها :
1– المقيمون الصلاة :
حيث قال تعالى وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ[ سورة يونس : 87] أي : وبِشِّرْ مقِيمِي الصَّلاَةِ الْمطِيعِي اللَّهِ بِحِفْظِ اللهِ إِيَّاهُمْ مِنْ فِتْنَةِ فِرْعَوْنَ وَمِلْئِهِ الظَّالِمِينَ لَهُمْ وَتَنْجِيَتِهِمْ مِنْ ظلْمِهِمْ وبالنصر والتأييد، وإظهار دينهم.
2– الممتثلون لأحكام الله:
كما قال تعالى نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ ملاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ( ) .
كذلك فالآية تبشر المؤمنين الذين يتقون الله في إتيان أزواجهم في موضع الحرث.. أيضا بأن هذا العمل عبادة لله.. ذلك لأنهم يحققون حكمة الله من خلقه للزوجين.. كذلك وذرء النسل وخلافة البشر في الأرض.
3– المجاهدون في سبيل الله :
كما قال تَعَالَى : وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ( ).
أي: وَبَشِّرْ يَا مُحَمَّدُ الْمُؤْمِنِينَ بِنَصْرِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَفَتْحٍ عَاجِلٍ لَهُمْ.
البشرى ومقاصدها في القرآن الكريم2
4– الموفون ببيعتهم مع الله :
كما قال تعالى :إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( ).
أيضا هَاتَانِ الْآيَتَانِ تبينان حَالِ الْمُؤْمِنِينَ حَقَّ الْإِيمَانِ، الْبَالِغِينَ فِيهِ مَا هُوَ غَايَةٌ لَهُ مِنَ الْكَمَالِ، وهم:
– (التَّائِبُونَ ) أي: الملازمون للتوبة في جميع الأوقات عن جميع السيئات.
– (الْعَابِدُونَ) أي: المتصفون بالعبودية للّه، والاستمرار على طاعته من أداء الواجبات والمستحبات في كل وقت، فبذلك يكون العبد من العابدين.
– (الْحَامِدُونَ ) للّه في السراء والضراء، واليسر والعسر، المعترفون بما للّه عليهم من النعم الظاهرة والباطنة، المثنون على اللّه بذكرها وبذكره في آناء الليل وآناء النهار.
– ( السَّائِحُونَ ) المراد بالسياحة: السفر في القربات، كالحج، والعمرة، والجهاد، وطلب العلم، وصلة الأقارب، ونحو ذلك.
– (الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ ) أي: المكثرون من الصلاة، المشتملة على الركوع والسجود.
– ( الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ) ويدخل فيه جميع الواجبات والمستحبات
– ( وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) وهي جميع ما نهى اللّه ورسوله عنه.
– ( وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ) بتعلمهم حدود ما أنزل اللّه على رسوله، وما يدخل في الأوامر والنواهي والأحكام، وما لا يدخل، الملازمون لها فعلا وتركا( ).
أيضا ثم أمر الله رسوله ببشارتهم .. كذلك فقال ( وبشر المؤمنين ) : أي المتخلقين بها بكل ما يَسرهم .. ايضا بعد تخصيصهم بدار السعادة.. كما في الآيتين بالبشارة تارة من الخالق(فَاسْتَبْشِرُوا) .. كذلك وتارة من أكمل الخلائق (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)أعظم مزية للمؤمنين.. أيضا وفي جعل الأولى من الله؛ أعظم ترغيب في الجهاد، وأعلى حث على خوض غمرات الجلاد ( ).